تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير الواضح — صفحة 572

مساهمون:

ص٥٧٢

المعنى :

كذبت قبل مشركي مكة قوم نوح فكذبوا « 1 » عبدنا نوحا ، ويا ليتهم اقتصروا على ذلك بل قالوا له : هو مجنون ، وكذبوه ، ورموه بالجنون ، وزجروه عن تبليغ الدعوة بالإيذاء والتخويف . ولما اشتد عليه الإيذاء دعا ربه بأنى مغلوب على أمرى فانتصر لي ، وانتقم من هؤلاء
رَبِّ لا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكافِرِينَ دَيَّاراً
[ سورة نوح آية 26 ] . فاستجاب اللّه دعاء نوح ، وحقت عليهم الكلمة ، وفتح عليهم أبواب السماء بماء متدفق كثير « 2 » ، وفجر اللّه عيون الأرض ، وفتحها لينساب الماء منها بتدفق غزير ، فالتقى الماء النازل من السماء والماء النابع من الأرض حالة كونه على قدر قدره اللّه لم يتجاوز واحد منهما قدره . وكان نوح قد أمر بصنع السفينة ، وصنعها بين استهزاء قومه وسخريتهم ، فلما ازداد الماء ركب نوح ومن معه السفينة ونجا من الغرق ، فانظر إليه وقد حمله ربك على السفينة وصارت تجرى بعناية اللّه وتحت رعايته ! حتى نجا وغرق من كفر به ، فعل ذلك ربك إكراما لنوح - عليه السلام - وجزاء لمن كفر به وبرسالته من قومه ، ولقد تركناها آية وعبرة لمن يأتي بعدها ، فهل من معتبر ؟ ! فانظر كيف كان عذاب ربك للعصاة الكافرين ، وكيف كان إنذارهم ؟ !
وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ
؟ وهذه جملة ذكرت عقيب كل قصة تقريرا لمضمون ما سبق من قوله تعالى :
وَلَقَدْ جاءَهُمْ مِنَ الْأَنْباءِ ما فِيهِ مُزْدَجَرٌ
ولعلها كررت لبيان أن كل قصة كافية في الاعتبار والاتعاظ .
هامش
( 1 ) الفاء فاء تفصيل وتفريع ، وقيل : إنها للسببية ، على معنى : كذبوا بالأنباء جميعا ؛ فتسبب عن ذلك تكذيب نوح . ( 2 ) في الكلام استعارة تمثيلية حيث شية تدفق المطر من السحاب بانصباب أنهار انفتحت بها أبواب السماء ، وبعضهم يرى أن الكلام على حقيقته وأن السماء تحت أبوابها بالماء بدون سحاب .