تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير الواضح — صفحة 510

مساهمون:

ص٥١٠
وَلا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضاً
ولقد روى أنه صلّى اللّه عليه وسلّم قال : « أتدرون ما الغيبة ؟ » قالوا . اللّه ورسوله أعلم ، قال : « هي ذكرك أخاك بما يكره » قيل : أفرأيت لو كان في أخي ما أقول ؟ قال : « إن كان فيه ما تقول فقد اغتبته وإن لم يكن فيه ما تقول فقد بهتّه » . والغيبة تباح عند رفع الظلم ، والشهادة في الخصومات ، والاستشارات العامة ، وكالتشنيع على المتجاهر بالمعصية ، وما أروع هذا التمثيل حيث يقول اللّه :
أَ يُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتاً
وحقا من ولغ في العرض فكأنه أكل اللحم من أخيه وهو ميت لا يقدر على رده ، وكذلك المغتاب في غيبة أخيه ينهش من عرضه وهو لا يستطيع رده ، فهذا أسلوب غاية في التنفير من الغيبة ، ثم أتبع ذلك بقوله :
فَكَرِهْتُمُوهُ
فقد صور المغتاب بصورة من يحب شيئا ، حقه أن يكون في غاية الكراهية وهو أكل لحم الأخ ، وزاده أن صوره بصورة الميت ، وحقه أن يكون منه أنفر ، وخلاصة المعنى : إن يفعل ذلك أحد فقد كرهتموه واتقوا اللّه الذي يعلم خائنة الأعين وما تخفى الصدور وتوبوا إليه إنه هو التواب الرحيم ، وهو بالمؤمنين رؤوف رحيم . « وبعد » : فالغيبة عادة مرذولة ، وصفة مستهجنة ، كثيرا ما أودت بالصلات ، وأثارت الأحقاد ، وشتتت من جمع ، وفرقت من شمل ، وهي مع هذا عذابها شديد وعقابها أليم ، وهي بالفساق أولى فاتقوا اللّه واجتنبوها « وهل يكبّ النّاس على مناخرهم إلّا حصائد ألسنتهم » صدق رسول اللّه . ما مضى كانت إرشادات إسلامية يوجهها اللّه إلى المؤمنين ليبين لهم أن مقتضى الإيمان ألا يحصل هذا منكم كما عرفنا سابقا . وهنا قال : « يا أيها الناس » لأن هذا الداء الذي هو التفاخر والتباهي بالأنساب والأحساب داء قديم عام في جميع الأمم ، فهو يعرض للناس من حيث كونهم ناسا فهو في طبيعة الإنسان ، ولقد عالج اللّه هذا الداء علاجا حاسما حكيما ، فإنك تفضل هذا على ذاك إذا كان من معدن وهو من آخر ، أو هذا من صنع فلان ، وذاك من صنع فلان ، فإذا كانت المادة واحدة والصانع واحدا ففيم إذن الاختلاف والتفاضل ؟ !