تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير الواضح — صفحة 359

مساهمون:

ص٣٥٩
حفيظا ، ولا يجب عليك أن تحملهم على الإيمان فإن هذا العمل أمره إلى اللّه ، ولو شاء اللّه ذلك لجعلهم أمة واحدة لأنه هو القادر على ذلك ، ولكن ترك للخلق حريتهم ، وكلفهم وبنى أمرهم على ما يختارون ليدخل المؤمنين في رحمته ، وقد شاء لهم ذلك ، وهم قد اقتحموا العقبة واختاروا الهدى وآثروه على الضلالة ، وقد ترك الظالمين بلا ولى ولا نصير سوى شياطينهم وأنفسهم فاستحبوا العمى على الهدى ، فكانوا في عذاب شديد لا خلاص منه . بل اتخذوا من دونه أولياء ؟ لم يتخذوا وليا ينفعهم ، ولا نصيرا ينصرهم ، وإذا كان الأمر كذلك فاللّه وحده هو الولي النافع ، وهو يحيى الموتى ، وهو على كل شيء قدير ، أما غيره فلا ينفع بل يضر ، ولا يقدر على شيء بل إن يسلبه الذباب شيئا لا يستنقذه منه . وما اختلفتم فيه من شيء من أمور الدين أو الدنيا فحكمه إلى اللّه الواحد القهار فهو الذي يحكم بين عباده . ذلكم اللّه - جل شأنه - هو ربي . عليه وحده توكلت ، وإليه وحده أنيب وأرجع
إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ
فالكل منه وإليه ، وهو فاطر السماوات والأرض ، وخالقهما على نظام بديع محكم ، جعل لكم من جنس أنفسكم أزواجا إليها تسكنون ، وبسببها تتناسلون وتتكاثرون ، وجعل من الأنعام أزواجا كذلك ، فكل حيوان في الكون له ذكر وأنثى ، وفيه غريزة المحافظة على جنسه ونوعه ، وبهذا يتكاثر ويتوالد ، وكأنه منساق إلى ذلك بطبعه وغريزته ، وبهذا يفهم قوله تعالى :
يَذْرَؤُكُمْ فِيهِ
أي : يخلقكم ويكثركم في هذا الجعل السابق ، أي : خلق الذكر والأنثى في الإنسان والحيوان ، وكان هذا الجعل منبعا للتكاثر ومصدرا له ، وأظن أن الواقع يؤيد ذلك . هو اللّه الواحد الفرد الصمد لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد ، وهو الواحد في ذاته وصفاته وأفعاله ليس مثله شيء من خلقه ، ولا يشبهه شيء من الحوادث في أي ناحية كانت . وهو السميع البصير ، صاحب الملك والملكوت ، بيده الخير وعنده مفاتيح الخزائن كلها ، ومن عنده المفتاح فهو صاحب الخزانة والمتصرف فيها ، يبسط الرزق لمن يشاء ، ويقتر الرزق على من يشاء لحكم هو وحده يعلمها ، إنه بكل شيء عليم .
التفسير الواضح — صفحة 359 | محمد محمود حجازي