تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير الواضح — صفحة 237

مساهمون:

ص٢٣٧
سببا لدخولهم فقالوا : نحن خصمان بغى بعضنا على بعض فاحكم بيننا بالحق ، ولا تجر ، واهدنا إلى سواء السبيل ، ويجوز أن يكونا متخاصمين حقيقة ، ولما دخلوا على داود بلا إذن ، وتوجس منهم خيفة وظن بهم الظنون ، وهم بذلك أن يصيبهم بسوء كانت هذه الواقعة فتنة وابتلاء لداود ، ثم إنه استغفر ربه مما هم به من الانتقام ، وتاب عما دار بخلده من ظن ، وخر راكعا فتاب اللّه عليه وغفر له . أما قصتهما كما أخبر فهي : إن هذا أخي ، أي : في الدين والإنسانية له تسع وتسعون نعجة - هي الواحدة من الغنم أو بقر الوحش - ولى نعجة واحدة ، فقال صاحب الغنم الكثيرة أعطني نعجتك أكفلها لك وأضمها لغنمي وغلبه في المخاصمة والمجادلة . قال داود متسرعا قبل أن يسمع جواب الخصم الثاني - ولعل هذا هو الذنب الذي ألم به داود - : لقد ظلمك بسؤال نعجتك إلى نعاجه ، وإن كثيرا من الخلطاء والشركاء ليبغى بعضهم على بعض حبا في الدنيا ، وشحا في النفوس إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات فلا يبغى بعضهم على بعض وقليل ما هم . وظن داود أنما فتناه بهذه الحادثة فاستغفر ربه مما ألم به وتاب ، وخر راكعا وصلى للّه قائما وساجدا وأناب ، فغفر له ربه ذنبه - لا تنس أن حسنات الأبرار سيئات المقربين - وإن لداود عند ربه لقربى ومنزلة كريمة ، وحسن مآب ، أليس وصف داود بعد القصة بأن له زلفى وحسن مآب يدل على أنه عبد صالح أواب يستحيل عليه الإلمام بمعصية تغضب اللّه . أما خلافته في الأرض فيقول اللّه عنها : يا داود إنا جعلناك خليفة للّه في أرضه ، خليفة للّه على عباده تقيم حكمه ، وتدعو إلى شرعه . وتثبت دعائم عدله وتقضى بين الناس ، فاحكم يا داود بينهم بالحق . ولا يحملنك شنآن قوم على عدم العدل فأنت خليفة أحكم الحاكمين ، وأعدل العادلين ، يا داود لا تتبع الهوى فإن من اتبع هواه ضل ، ومن انحرف عن الصراط وقع في الهاوية ، لا تتبع الهوى فيضلك عن سبيل اللّه وهو الصراط المستقيم .
إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذابٌ شَدِيدٌ بِما نَسُوا يَوْمَ الْحِسابِ
وهذا تعليل لما قبله ، إن الذين يضلون عن سبيله لهم عذاب شديد وقعه بسبب أنهم نسوا يوم الحساب ، ولم يعملوا لذلك اليوم ، أولئك الذين نسوا اللّه فأنساهم العمل لخيرهم فكان جزاؤهم النار وبئس القرار .