تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير الواضح — صفحة 779

مساهمون:

ص٧٧٩
وللكهانة عند العرب في أيام الجاهلية تأثير كبير ، ولكهانتهم مركز ملحوظ يقطع بهم النزاع ، ويحكمون في المعضلات والمشكلات من الأمور ، وكتب الأدب العربي مليئة بأخبارهم وقصصهم . فهند بنت عتبة - أم معاوية بن أبي سفيان - مع زوجها الفاكه بن المغيرة المخرومى لها قصة : حيث رماها زوجها بالزنا فذهب أبوها إلى الكاهن فقال لها انهضى يا هند غير رسحاء ولا زانية وستلدين ملكا اسمه معاوية : فالتفتت هند إلى زوجها الفاكه وقالت من غيرك وتزوجت أبا سفيان وولدت معاوية . ومن أشهرهم فاطمة الخثعمية وكانت بمكة ، ولها قصة مع عبد اللّه بن عبد المطلب قبل زواجه بآمنة أم الرسول . . . ومن أشهرهم شق أنمار ، وسطيح الذئبى . ويرجع فيما أعلم صدق بعض كلامهم إلى قوة الفراسة ، وبعد النظر ، وإلى استراق السمع من السماء بواسطة الشياطين ، وكان لهم قدرة على ذلك قبل البعثة كما قدمنا ، وكثيرا ما كذبوا في أخبارهم . ومن هنا يدفع اللّه عن النبي وعن القرآن وصمة الكهانة بقوله : هل أخبركم أيها الناس على من تنزل الشياطين . إنها تنزل على كل كذاب ، أفاك . أثيم فاجر . تلقى الشياطين عليه ما سمعته ، وأكثرهم كاذبون يضمون إلى ما سمعوه أكاذيب أخرى كثيرة . فهل أنتم ترون النبي صلّى اللّه عليه وسلّم من هؤلاء الكهان ؟ أما الشعر ، وما أدراك ما الشعر ، فله تأثير السحر ، ولكن النبي صلّى اللّه عليه وسلم ليس بالشاعر ، ولا ينبغي له أن يقول لسمو مكانته وشخصيته عن قرضه . والشعراء يتبعهم الغاوون البعيدون عن الحق ، ومحمد صلّى اللّه عليه وسلّم يتبعه الهداة المهتدون ، ألم تر إلى الشعراء في كل واد من القول وفن فيه وغرض من أغراضه كالغزل والهجاء المقذع . والمدح بالباطل بل مدح الشخص وذمه والإجادة في الناحيتين يهيمون ويسيرون على وجوههم . لا يلوون على شيء ، وذلك أن عماد الشعر الخيال والخيال لا يجده حد ، ولا يقف دونه شيء ، فكلما كان الشاعر واسع الخيال قوى العاطفة كان شعره جيدا قويا ، والشعر لا يعتمد على الصدق بل على المبالغة والتجوز ولذا قيل : أعذب الشعر أكذبه ، والشعراء قوم خياليون عاطفيون يقولون ما لا يفعلون ، لهذا كله ما كان ينبغي للنبي أن يقول الشعر ؛ والشعر نوع من الكلام فيه الحسن والرديء ، والمقبول والمردود ، ومن هنا يمكن أن نوفق بين قول النبي صلّى اللّه عليه وسلم « لأن يمتلئ جوف أحدكم