تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير الواضح — صفحة 456

مساهمون:

ص٤٥٦

المعنى :

واذكر يا محمد في الكتاب المنزل عليك إبراهيم الخليل ، وأتل عليهم نبأه وقت أن جادل أباه آزر ، وقال له . يا أبت لم تعبد حجرا لا يسمع ، ولا يبصر ، ولا يغنى عنك شيئا من الغناء ؟ ! ! وانظر إلى أبينا الخليل إبراهيم وهو يخاطب أباه متلطفا بقوله : يا أبت ! ! ويستفهم منه عن السر في تلك العبادة فإن المعبود لو كان حيا يسمع ويبصر وينفع ويضر في شيء ، وهو مع ذلك مخلوق لكانت عبادته دليلا على قصر العقل وسوء الرأي وفساد الطبع . . ولو كان من أشرف الخلق كالأنبياء والملائكة
وَلا يَأْمُرَكُمْ أَنْ تَتَّخِذُوا الْمَلائِكَةَ وَالنَّبِيِّينَ أَرْباباً أَ يَأْمُرُكُمْ بِالْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ
وذلك أن العبادة غاية في التعظيم ، ومنتهى التقديس ولا يكون ذلك لمخلوق أبدا أيا كان وضعه . فما بالك لو كان المعبود حجرا لا يسمع عبادتك ، ولا يبصر قربانك ، ولا يغنى عنك شيئا من الغناء ؟ ! وفي الاستفهام عن السبب لفت للنظر عميق يبعث على الشك والبحث . يا أبت إني قد جاءني من العلم شيء لم يأتك فاتبعني أهدك الصراط المستقيم ، والسبيل الحق ، وانظر إلى الخليل - صلوات اللّه عليه - لم يصف أباه بالجهل ، ولا نفسه بالعلم الكامل فإن ذلك ينفر الناس ، ويمنع الجليس من الائتناس ، بل قال إني أعطيت شيئا من العلم قليلا ، ولم تعطه ، ولا ضير عليك في شيء إن اتبعت ابنك حتى يهديك إلى الصراط المستقيم ، يا أبت هب أننا سائران في الطريق وأنا على علم به أفلا يكون من الخير أن تتبعني حتى تصل إلى بر السلامة ، وأنت أبى على كل حال وأنا ابنك البار . . وهذا جذب لأبيه ليصل إلى الحق بطرق سديدة ، يشككه في اعتقاده ثم يلمح له بأن الخير في اتباعه وترك ما هو عليه . وانظر إلى أبى الأنبياء وهو يقول لأبيه : يا أبت لا تعبد الشيطان ، إن الشيطان كان للرحمن كثير العصيان . آزر أبو إبراهيم كان يعبد الأصنام ، وما كان يعبد الشيطان ، إلا أن عبادتها لا يمكن أن تصدر عن عقل أو عاطفة أو غريزة ، ولكنها تنشأ عن وسوسة الشيطان وإغوائه فكانت عبادتها عبادة له ، وطاعة لإغوائه ! والشيطان هو ما تعرفون ، عدو أبيكم آدم ،