تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير الواضح — صفحة 335

مساهمون:

ص٣٣٥
كل ذلك عهد اللّه إن عهده كان مسؤولا ، ولا تنقضوا الأيمان بعد توكيدها وتأكدها وليس النهى خاصا باليمين المؤكدة . بل كل يمين وإنما المؤكدة إثمها أعظم وهذا التعظيم مخصوص بما ثبت في الصحيحين من قوله صلّى اللّه عليه وسلم : « من حلف على يمين فرأى غيرها خيرا منها فليأت الّذى هو خير وليكفّر عن يمينه » . وكيف تنقضونها ؟ وقد جعلتم اللّه عليكم كفيلا ، وشاهدا وحفيظا ، وإن اللّه يعلم ما تفعلون . ثم أكد وجوب الوفاء وتحريم النقض فقال : ولا تكونوا فيما تفعلون من النقض كالتي نقضت وأفسدت ما غزلته من بعد قوة وإحكام وعمل وإجهاد ، نقضته أنكاثا ونقضا شديدا ، بل ولا تنقضوا أيمانكم متخذيها دخلا وفسادا بسبب أن تكون أمة هي أربى وأزيد من جماعة أخرى . والمعنى لا تتخذوا الأيمان دخلا وخديعة للناس بسبب أن تكون جماعة أقوى من جماعة فتنقضوا اليمين لمصلحة تافهة حقيرة . إنما يبلوكم اللّه بهذا ، وليبينن لكم يوم القيامة ما كنتم فيه تختلفون ومن بلائه للناس أن جعلهم مختلفين ليتخذ بعضهم بعضا سخريا ، ولو شاء ربك لجعلهم أمة واحدة لا اختلاف فيها أبدا ، ولكن لحكمة هو يعلمها يضل من يشاء ممن رأى في سابق علمه أنه لو ترك ونفسه لما فعل إلا الضلال والبهتان ، ويهدى من يشاء ممن اطلع عليه في سابق الأزل فرآه يميل إلى الخير ولو ترك وشأنه لما فعل إلا الخير . ولتسألن عما كنتم تعملون ، وأما ربك فلا يسأل عما يفعل - سبحانه وتعالى - ، ويظهر واللّه أعلم أن القرآن أعاد النهى عن اتخاذ الأيمان دخلا لأنها أيمان خاصة في البيعة مع النبي صلّى اللّه عليه وسلّم بدليل المبالغة في قوله فتزل قدم بعد ثبوتها ، ولا تتخذوا أيمانكم فسادا وخديعة بينكم ثم تنقضوها فتزل قدم بعد ثبوتها ورسوخها ، وهذه استعارة للمستقيم الحال يقع في شر عظيم وبلاء كثير كمن تزل قدمه فيقع في الخطر ، وتذوقوا العذاب السيئ الشديد بما صددتم عن سبيل اللّه فإن الذي يبايع ويدخل في الدين ثم يخرج منه كان دخوله وخروجه مشجعا لغيره وداعيا للفساد ومزلزلا لعقائد العامة ، ولكم عند ذلك عذاب عظيم .
التفسير الواضح — صفحة 335 | محمد محمود حجازي