تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير الواضح — صفحة 199

مساهمون:

ص١٩٩
ولما رأوا أن الموقف جد خطير ، ولا ينفع فيه إلا الاستعطاف . قالوا : يا أيها العزيز إن لهذا الأخ أبا شيخا طاعنا في السن كبير المقام جديرا بالرعاية والعناية وهو سلوته ، وموضع أنسه ومحط أمله ، وعوضه عن ابنه المفقود ؛ فخذ أحدنا مكانه رحمة بهذا الشيخ الكبير ؛ إنا نراك من الذين يحسنون العمل ، ويعملون الصالح ، فسر على عادتك وتقبل طلبنا . قال يوسف : معاذ اللّه ! ! وحاش للّه أن نخالف شريعتكم وشريعة الملك هنا ، ونأخذ إلا من وجدنا متاعنا عنده ؛ وانظر إلى قوله وجدنا متاعنا ولم يقل من سرق متاعنا فإنه لم يسرق أبدا . إنا إذا أخذنا غيره لنكونن من الظالمين لأنفسهم المتجاوزين حدود الشرع . ردهم يوسف ردا شديدا مبينا لهم أن هذا الرأي مما يستعاذ منه . . فلما يئسوا من فكاك بنيامين يأسا بليغا خلصوا من القوم ، وانفردوا تاركين الناس ليجتمعوا اجتماعا خاصا للنجوى والتشاور فيما دعاهم ولم يكن في الحسبان . قال كبيرهم سنا أو عقلا ولذا قيل هو يهوذا أو غيره : يا إخوتي إن هذا لحدث الأحداث . . ألم تعلموا أن أباكم قد أخذ عليكم عهد اللّه وميثاقه المؤكد لتأتنني به إلا أن يحاط بكم ؟ ألم تعلموا ما فرطتم في يوسف وقصرتم في حفظه من قبل ؟ يا قوم إن الأمر جد خطير فماذا أنتم فاعلون ؟ ! ! إذا كان الأمر كذلك فلن أفارق أرض مصر أبدا وأترك بنيامين فيها حتى يأذن لي أبى في ذلك ، أو يحكم اللّه لي وهو خير الحاكمين ، والرأي عندي : أن ارجعوا إلى أبيكم فقولوا : يا أبانا إن ابنك سرق صواع الملك ، فاسترقه وزيره عملا بشريعتنا ، وما شهدنا عليه بالسرقة وجزائها إلا بما علمنا علما أكيدا حيث أخرج الصواع من متاع بنيامين ، وقد أقررنا له أولا أن من يوجد في رحله فهو جزاؤه كذلك نجزى في شريعتنا الظالمين ، حصل هذا كله ، وما كنا للغيب المستور حافظين وعالمين أنه سيسرق وعاء الملك وسيأخذه فيه ، ولو كنا نعلم هذا لما آتيناك العهد الموثق علينا . وإن كنت في شك من أمرنا فاسأل أهل القرية التي كنا فيها ساعة أن فتشنا العزيز وهي مصر فقد اشتهر فيهم أمر هذه السرقة ، واسأل العير وأصحابه الذين كانوا يمتارون معنا ؛ وإنا لصادقون في أقوالنا على أي حال .
التفسير الواضح — صفحة 199 | محمد محمود حجازي