الشرع الصحيح المستقيم الذي كان عليه إبراهيم وإسماعيل في عدة الشهور ، وتحريم الأربعة الحرم ، فلا تظلموا فيهن أنفسكم بفعل أي محرم ومحظور ، ويدخل في ذلك انتهاك حرمة الأشهر الحرم بالقتال فيها ، أو الحرم بالقتال فيها في كل وقت ، يدخل هذا وذلك في الظلم دخولا أوليا ، وقاتلوا المشركين جميعا على قلب رجل واحد كل في دائرة اختصاصه كما يقاتلونكم كذلك ، واعلموا أن اللّه مع المتقين للظلم والعدوان والفساد في الأرض وإهلاك الحرث والنسل .
كانت العرب تحرم القتال في الأشهر الحرم وقد ورثت ذلك عن أبيها إبراهيم وإسماعيل ، ولما طال عليهم الأمد وقست قلوبهم بدلوا في المناسك وفي تحريم الأشهر الحرم ، ولا سيما شهر المحرم منها ، فكانوا ينسئون تحريمه ، أي : يؤجلون تحريمه إلى صفر فتبقى الأشهر أربعة ليوافقوا عدد ما حرمه اللّه . وفي ذلك مخالفة للنص ولحكمة التحريم لأجل الحج .
وفي كتب التاريخ أنه كان يقوم رجل منهم كبير ( يقال له القلمس ) فيقول في ( منى ) : أنا الذي لا يرد لي قضاء ، فيقولون : صدقت فأخر عنا حرمة المحرم واجعلها في صفر فيحل لهم المحرم ، ويحرم عليهم صفرا ، ثم صاروا ينسئون غير المحرم .
إنما النسيء ، أي : التأخير في الأشهر الحرم كما ورد عنهم ، زيادة في الكفر ؛ إذ هم غيروا به ملة إبراهيم بسوء التأويل فكان زيادة على أصل كفرهم وشركهم باللّه تعالى ، فإن تشريع الحلال والحرام للّه وحده ؛ وإنهم بالنسيء يضلون به سائر الكفار الذين يتبعون فيه حيث يوهمونهم أنهم على ملة إبراهيم وأنهم لم يزيدوا ولم ينقصوا في الأشهر الحرم ، زين لهم الشيطان سوء أعمالهم بهذه الشبهة الباطلة .
واللّه لا يهدى القوم الكافرين أبدا إلى خير أو صواب ، خصوصا في أمور الدين ،
روى الشيخان عن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم قال في حجة الوداع : « إن الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق اللّه السماوات والأرض » « 1 »
بمعنى أنه عاد حساب الشهور ونظامها إلى ما كان عليه من أول نظام الخلق بعد أن كان قد تغير في حساب العرب بسبب النسيء في الأشهر .
هامش
( 1 ) أخرجه البخاري في التفسير 4662 .