رحمة اللّه ، وكان نقضهم الميثاق مفسدا لفطرتهم مدنسا لنفوسهم ، فإن الذنب الذي يرتكبه الإنسان يترك نكتة سوداء في القلب . فإذا كثرت المعاصي اسود القلب وأصبح في أكنة ، لا يصل إليه النور والهدى
خَتَمَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ وَعَلى سَمْعِهِمْ وَعَلى أَبْصارِهِمْ غِشاوَةٌ
« 1 » ولذلك رأيناهم يقتلون الأنبياء بغير حق ، ويفترون على مريم البتول وابنها عيسى الذي أرسل لهم يهديهم سواء السبيل ، بل حاولوا قتله وافتخروا بذلك
وَما قَتَلُوهُ وَما صَلَبُوهُ
« 2 » فبسبب هذا بعدوا عن رحمة اللّه وطردوا منها شر طردة وأصبحت قلوبهم قاسية كالحجارة أو أشد قساوة ، وصاروا يحرفون الكلم عن مواضعه فيقدمون ويؤخرون ، ويحذفون منه ، ويغيرون معناه ويبدلون ، ليّا بألسنتهم وطعنا في الدين ، وقد نسوا حظا من التوراة كبيرا .
ذلك أن موسى - عليه السلام - توفى والتوراة التي كتبها وأمر بحفظها نسخة واحدة قد فقدت باتفاق المؤرخين من اليهود والنصارى عند سبى البابليين لهم وإغارتهم عليهم ، ولم يكن عندهم غيرها وما كانوا حفظوها كلها ، نعم هناك أسفار خمسة تنسب إلى موسى - عليه السلام - فيها أخبار عن موته وحياته وأنه لم يقم أحد بعده مثله ، كتبت بعد موته بزمن طويل ، قيل : كتبها عزرا الكاهن معتمدا على ما بقي عند شيوخهم الذين بقوا بعد الأسر والقتل .
أفلا تراهم نسوا حظا كبيرا ، وكما يقول القرآن في موضع آخر :
أُوتُوا نَصِيباً مِنَ الْكِتابِ *
« 3 » ومن العلماء من يرى أن معنى الآية أنهم تركوا أحكاما كثيرة من التوراة .
واللّه أعلم بكتابه .
ألا ترى أن هذا من أعظم المعجزات على صدق الرسول محمد صلّى اللّه عليه وسلّم حيث أخبرهم بدخائل نفوسهم ! ! وأما أنت يا محمد فلا تأس عليهم ، ولا تعجب من عنادهم فها هم قديما قد فعلوا كل شيء ، ولا تزال تطلع منهم على خيانة تصدر منهم على سبيل المبالغة ، إلا قليلا منهم ممن آمن وحسن إيمانه .
وإذا كان الأمر كذلك فاعف عنهم واصفح إذا تابوا ، أو بذلوا الجزية ، إن اللّه يحب المحسنين .
هامش
( 1 ) سورة البقرة الآية 7 .
( 2 ) سورة النساء الآية 157 .
( 3 ) سورة آل عمران الآية 23 ؛ والنساء 44 و 51 .