حديث آخر غير حديث الكفر والإلحاد ؛ إنكم إن قعدتم معهم وهم يتكلمون بالباطل في الدين ويستهزئون بالقرآن تكونوا مثلهم ، وقد كان المنافقون يجالسون اليهود ويستعمون إليهم وهم يجعلون القرآن موضع الهزء والسخرية ، إن اللّه جامع المنافقين والكافرين في جهنم جميعا ، فإنهم بين مرتكب للإثم وراض عنه غير منكر بل مشجع على ارتكابه .
هؤلاء المنافقون الذين يتربصون بكم وقوع الأمر المؤلم وأن تدور الدائرة عليكم وينتظرون ما يحدث لكم من خير وشر ، فإن كان لكم نصر من اللّه وفتح قالوا : نحن معكم نستحق في الغنيمة ، وإن كان للكافرين نصيب في النصر كما حصل يوم أحد قالوا : ألم نستحوذ عليكم ونتمكن من قتلكم فأبقينا عليكم ونحن نمنعكم من المؤمنين بتخذيلهم وإذاعة الأخبار التي تثبط قلوبهم وتلقى الرعب فيها ، وإذا كنا نهينا عن مجالسة هؤلاء فكيف بنا إذا اتخذناهم أولياء ؟ فاللّه يحكم بينكم يوم القيامة فيجازى كلا على عمله ، ففريق في الجنة وفريق في السعير ، ولن يجعل اللّه للكافرين على المؤمنين سبيلا يغلبونكم به على أمركم ، وحيث وصف المؤمنين بهذا الوصف وهو الإيمان فإن تحقق الإيمان تحقق وعد اللّه بالنصر وغلبة المؤمنين على الكافرين ، وقريب من هذا قوله تعالى :
إِنَّ اللَّهَ يُدافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا
« 1 »
وَكانَ حَقًّا عَلَيْنا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ
« 2 » وأين هم المؤمنون الصادقون في الإيمان ؟
المنافقون لجهلهم ، وقلة علمهم ، وسوء تقديرهم ، يفعلون ما يفعل المخادع ، حيث يظهرون الإيمان ويبطنون الكفر ، واللّه - سبحانه - فاعل بهم ما يفعله المخادع حيث أجرى عليهم الأحكام العامة التي عصموا بها دماءهم وأموالهم وأعد لهم في الآخرة الدرك الأسفل من النار ، وفي الحقيقة اللّه لا يخادع فإنه العالم بالسر وأخفى ، فقيل : إن المراد يخادعون رسول اللّه والمؤمنين ، وإنما آثر القرآن هذا التعبير ليسجل عليهم عظم جرمهم وليشير إلى أن من يخادع اللّه كما في قوله تعالى :
إِنَّ الَّذِينَ يُبايِعُونَكَ إِنَّما يُبايِعُونَ اللَّهَ
« 3 » وهكذا يكون مركز الرسول الأعظم صلّى اللّه عليه وسلّم .
هامش
( 1 ) سورة الحج آية 38 .
( 2 ) سورة الروم آية 47 .
( 3 ) سورة الفتح آية 10 .