تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير الواضح — صفحة 290

مساهمون:

ص٢٩٠
ونفى العلم من اللّه دليل على عدم وقوع الجهاد والصبر منكم فهو أبلغ من نفى الجهاد والصبر ، إذ هو كالدعوى ودليلها ، شبيه بهذا قوله تعالى :
وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا
. روى عن الحسن أنه قال : بلغني أن رجالا من أصحاب رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم كانوا يقولون : لئن لقينا مع النبي صلّى اللّه عليه وسلّم لنفعلن ولنفعلن فابتلوا بذلك ، فلا واللّه ما كلهم صادق ، فأنزل اللّه :
وَلَقَدْ كُنْتُمْ تَمَنَّوْنَ الْمَوْتَ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَلْقَوْهُ
. نعم لقد كان كثير منكم يتمنى لو يستشهد في سبيل اللّه تمنيا من نفسه استحق أن يعبر عنه المولى بهذا التأكيد :
وَلَقَدْ كُنْتُمْ
حتى إذا جد الجد وقامت الحرب وشاهدتم بأعينكم مشاهدة كاملة وأنتم تنظرون نظرة فاحصة ليست عاجلة ، توانيتم وانحزتم إلى الجبل وأصعدتم فيه لا تلوون على أحد والرسول يدعوكم فلا يجيبه أحد . وهذا عتاب وأي عتاب ؟ نعم كان مع النبي من بايعه على الموت ودافع عنه دفاعا مجيدا حتى قتل البعض ونجا البعض كما تقدم في سرد حوادث الغزوة ، ومع هذا كان الخطاب عاما ليكون الإرشاد عاما فيتهم المؤمنون الصادقون أنفسهم ليزدادوا إيمانا وليرعوى المقصرون فلا يعودوا لمثلها أبدا . في هذه الغزوة - كما قلنا سابقا - أشيع قتل النبي صلّى اللّه عليه وسلّم وكانت الإشاعة سببا في شيوع قالة السوء ، حتى قال بعض المنافقين : لو كان نبيا ما قتل ! ! من لنا برسول إلى عبد اللّه بن أبىّ ليأخذ لنا الأمان عند أبي سفيان ؟ وهكذا مما جعل أنس بن النضر يبرأ إلى اللّه من مثل هذا الكلام ويقاتل حتى يقتل دفاعا عن الدين . وكانت هذه الإشاعة سببا في انفضاض بعض الناس عن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم فعاتبهم اللّه بقوله . وما محمد إلا رسول كمن سبقه من الرسل فهم قد خلوا وانتهت حياتهم بموت كموسى وعيسى ، أو قتل كزكريا ويحيى ، ومع هذا ظلت ديانتهم كما هي وأتباعهم متمسكون بها ، فالمعقول أن تظلوا كما كنتم ولو مات أو قتل ؛ فإن الرسول بشر كسائر الأنبياء له في الدنيا مهمة تنتهي بانتهاء أجله ، ومن كان يعبد اللّه فإن اللّه باق ، ومن كان يعبد محمدا فإن محمدا قد مات . أفتنقلبون على أعقابكم فترتدون عن دينكم أو يطير صوابكم لو مات أو قتل مع أنه