ومن يعتصم باللّه وبكتابه ورسوله فقد تحققت هدايته ، لا يضل أبدا ولا يخشى عليه من المهالك أصلا .
يا أيها الذين آمنوا اتقوا اللّه اتقاء حقا وأدوا واجب التقوى الذي يطلب منكم
فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ
[ سورة التغابن آية 16 ] على معنى : بالغوا في التقوى وأدوها كاملة حتى لا تتركوا من المستطاع شيئا .
ولا تموتن إلا ونفوسكم مخلصة للّه ، أي : لا تكوننّ على حال سوى الإسلام إذا أدرككم الموت .
وتمسكوا بكتاب اللّه وعهده واعتصموا بحبله جميعا ولا تفرقوا عنه أبدا فإن الداء العضال داء الفرقة والانحلال .
وفي الآية تمثيل الاستيثاق بالعهد أو القرآن والوثوق بحمايته ، باستمساك المتدلى من مكان مرتفع ؛ بحبل متين وثيق يأمن انقطاعه .
وحبل اللّه هو الإيمان والطاعة ، أو القرآن ؛
لقوله صلّى اللّه عليه وسلّم : « القرآن حبل اللّه المتين ، لا تنقضي عجائبه ولا يخلق من كثرة الرد ، من قال به صدق ومن عمل به رشد ومن اعتصم به فقد هدى إلى صراط مستقيم » .
وقد كان العرب الجاهليون في حروب مستعرة وعداوات وإحن خاصة الأوس والخزرج ، فلما جاء الإسلام ودخلوا فيه أفواجا ، سل من قلوبهم سخائم الحقد وطهر أرواحهم من نكد العداوة ، وأصبحوا بنعمة اللّه إخوانا متحابين متعاطفين يؤثرون غيرهم على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة يدينون بمبدأ
إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ
[ سورة الحجرات آية 10 ]
وبالحديث : « مثل المؤمنين في تراحمهم وتوادّهم كمثل الجسد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى » .
وكانوا على شفا حفرة من النار فأنقذهم منها ؛ نعم كان العرب على حافة حفرة من النار بسبب شركهم ووثنيتهم لا يفصلهم عن النار إلا الموت فأنقذهم اللّه بالإسلام والتوحيد :
وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لا تُحْصُوها
[ سورة إبراهيم آية 34 ] .
مثل هذا البيان القيم والتوجيه السديد يبين اللّه آياته لكم ، وهو في هذا البيان كالذي يرجو منكم الهداية والسداد لعلكم تهتدون .