تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مختصر الامثل — صفحة 533

مساهمون:

ص٥٣٣
إليها باعتبارها وسيلة بل هدفاً ، ولا يحدّهم قيد أو شرط في جمعها ، حتى ولو كان من طريق الحرام والاعتداء على حقوق الآخرين وارتكاب كل دنيئة ورذيلة ، ويعتبرون ذلك دليلًا على عظمتهم وشخصيتهم . هؤلاء لا يريدون المال لسد حاجاتهم الحياتية ، ولذلك يزداد حرصهم على جمع المال كلّما كثرت أموالهم ، وإلّا فإنّ المال في الحدود المعقولة ومن الطرق المشروعة ليس بمذموم ، بل إنّ القرآن الكريم عبّر عنه في موضع بأنّه « فضل اللَّه » ؛ حيث يقول تعالى في الآية ( 10 ) من سورة الجمعة : « وَابْتَغُوا مِن فَضْلِ اللَّهِ » . وفي موضع آخر يسميه خيراً ، كقوله سبحانه في الآية ( 180 ) من سورة البقرة : « كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِن تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ » . مثل هذا المال ليس بالتأكيد مبعث طغيان ، ولا وسيلة تفاخر ، ولا دافع سخرية بالآخرين ، لكن المال الذي يصبح معبوداً وهدفاً نهائياً ، ويدعو أصحابه من أمثال « قارون » إلى الطغيان ، هو العار والذلة والمأساة ومبعث البعد عن اللَّه والخلود في النار . ومثل هذا المال لا يمكن جمعه وعدّه إلّابالسقوط في أوحال الحرام . في الخصال عن الإمام علي بن موسى الرضا عليه السلام قال : « لا يجتمع المال إلّابخصال خمس : ببخل شديد ، وأمل طويل ، وحرص غالب ، وقطيعة الرحم ، وايثار الدنيا على الآخرة » . في الآية التالية يقول سبحانه : « يَحْسَبُ أَنَّ مَالَهُ أخْلَدَهُ » . ما أتفه هذا التفكير ! قارون بكل ما كان يملكه من كنوز لا تستطيع العصبة أولو القوّة أن تحمل مفاتحها ، لم يستطع أن يستخدم أمواله لتأخير مصيره الأسود ساعة واحدة : « فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الْأَرْضَ » « 1 » . الأموال التي كان يمتلكها الفراعنة : « مِن جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ * وَزُرُوعٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ * وَنَعْمَةٍ كَانُوا فِيهَا فَاكِهِينَ » « 2 » ، تحولت في ساعة إلى غيرهم : « كَذلِكَ وَأَورثنَاهَا قَوْمًا ءَاخَرِينَ » « 3 » . لذلك فإنّ هؤلاء اللاهين بأموالهم ، حين تزول من أمام أعينهم الحجب والأستار يوم القيامة يرفعون عقيرتهم بالقول : « مَا أَغْنَى عَنّى مَالِيَهْ * هَلَكَ عَنّى سُلْطَانِيَهْ » « 4 » . من هنا يتبيّن أنّ الظن بقدرة المال على الإخلاد ، هو الذي يدفع إلى جمع المال ، وجمع المال
هامش
( 1 ) سورة القصص / 81 . ( 2 ) سورة الدخان / 25 - 27 . ( 3 ) سورة الدخان / 28 . ( 4 ) سورة الحاقّة / 28 و 29 .