تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مختصر الامثل — صفحة 172

مساهمون:

ص١٧٢
تبدأ هذه السورة كذلك بالتسبيح للَّه‌عزّ وجل ، وتشير إلى بعض صفات الجمال والجلال والأسماء الحسنى للَّه ، ويعتبر ذلك في الحقيقة مقدمة للأبحاث القادمة ، حيث يقول تعالى : « يُسَبّحُ لِلَّهِ مَا فِى السَّموَاتِ وَمَا فِى الْأَرْضِ » . حيث يسبّحونه بلسان الحال والقال وينزّهونه عن جميع العيوب والنقائض : « الْمَلِكِ الْقُدُّوسِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ » . وبناءً على ذلك تشير الآية أوّلًا إلى « المالكية والحاكمية المطلقة » ، ثم « تنزّهه من أي نوع من الظلم والنقص » وذلك لإرتباط اسم الملوك بأنواع المظالم والمآسي ، فجاءت كلمة « قدّوس » لتنفي كل ذلك عنه جلّ شأنه . وبعد هذه الإشارة الخاطفة ذات المعنى العظيم لمسألة التوحيد وصفات اللَّه ، يتحدث القرآن عن بعثة الرسول والهدف من هذه الرسالة العظيمة المرتبطة بالعزيز الحكيم القدوس ، حيث يقول : « هُوَ الَّذِى بَعَثَ فِى الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِّنْهُمْ يَتْلُوا عَلَيْهِمْ ءَايَاتِهِ » . وذلك من أجل أن يطهّرهم من كل أشكال الشرك والكفر والانحراف والفساد « وَيُزَكّيهِمْ وَيُعَلّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِن كَانُوا مِن قَبْلُ لَفِى ضَللٍ مُّبِينٍ » . « الامّيين » : جمع « امّي » وهو الذي لا يعرف القراءة والكتابة ( ونسبته إلى الام باعتبار أنّه لم يتلقّ تعليماً في معهد أو مدرسة غير مدرسة الام ) . إنّ الآية تؤكّد على أنّ نبي الإسلام بعث من بين هؤلاء الأميين الذين لم يتلقّوا ثقافة وتعليماً وذلك لبيان عظمة الرسالة وذكر الدليل على حقانيتها ، لأنّ من المحال أن يكون هذا القرآن العظيم وبذلك المحتوى العميق وليد فكر بشري وفي ذلك المحيط الجاهلي ومن شخص امّي أيضاً ، بل هو نور أشرق في الظلمات ، وهي بحد ذاتها معجزة باهرة وسنداً قاطعاً على حقانيته . ولخصّت الآية الهدف من بعثة الرسول صلى الله عليه وآله في ثلاثة أمور ، جاء أحدها كمقدمة وهو تلاوة الآيات عليهم ، بينما شكّل الأمران الآخران أي ( تهذيب وتزكية النفس ) و ( تعليمهم الكتاب والحكمة ) الهدف النهائي الكبير . نعم ، جاء الرسول صلى الله عليه وآله ليعطي الإنسانية ويعلّمها العلم والأخلاق ، لتستطيع بهذين الجناحين ( جناح العلم وجناح الأخلاق ) أن تحلّق في عالم السعادة وتطوي مسيرها إلى اللَّه لتنال القرب منه . ويمكن أن يكون الفرق بين « الكتاب » و « الحكمة » هو أنّ الأوّل إشارة إلى القرآن والثاني إشارة إلى سنّة الرسول صلى الله عليه وآله .