تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مختصر الامثل — صفحة 131

مساهمون:

ص١٣١
وبعد بيان المقدمة أعلاه نستعرض أبعاد قصة يهود بني النضير في المدينة حيث يقول سبحانه : « هُوَ الَّذِى أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِن دِيَارِهِمْ لِأَوَّلِ الْحَشْرِ » . « حشر » : في الأصل تحريك جماعة وإخراجها من مقرّها إلى ميدان حرب وما إلى ذلك ، والمقصود منه هنا اجتماع وحركة المسلمين من المدينة إلى قلاع اليهود ، أو اجتماع اليهود لمحاربة المسلمين ، ولأنّ هذا أوّل اجتماع من نوعه فقد سمّي في القرآن الكريم بأوّل الحشر ، وهذه بحد ذاتها إشارة إلى بداية المواجهة المقبلة مع يهود بني النضير ويهود خيبر وأمثالهم . ويضيف الباريء عزّ وجل : « مَا ظَنَنتُمْ أَن يَخْرُجُوا وَظَنُّوا أَنَّهُم مَّانِعَتُهُمْ حُصُونُهُم مّنَ اللَّهِ » . لقد كانوا مغرورين وراضين عن أنفسهم إلى حدّ أنّهم اعتمدوا على حصونهم المنيعة ، وقدرتهم المادية الظاهرية . ولأنّ اللَّه سبحانه يريد أن يوضّح للجميع أن لا قوّة في الوجود تقاوم إرادته ، فإنّ إخراج اليهود من أراضيهم وديارهم بدون حرب ، هو دليل على قدرته سبحانه ، وتحدّ لليهود الذين ظنّوا أنّ حصونهم مانعتهم من اللَّه . ولذلك يضيف - استمراراً للبحث الذي ورد في الآية - قوله تعالى : « فَأَتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا وَقَذَفَ فِى قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُم بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِى الْمُؤْمِنِينَ » . نعم ، إنّ هذا الجيش غير المرئي هو جيش الخوف الذي يرسله اللَّه تعالى في كثير من الحروب لمساعدة المؤمنين ، وقد خيّم على قلوبهم ، وسلب منهم قدرة الحركة والمقاومة ، لقد جهّزوا وهيّأوا أنفسهم لقتال المهاجرين والأنصار غافلين عن إرادة اللَّه تعالى ، حيث يرسل لهم جيشاً من داخلهم . وفي نهاية الآية - بعنوان استنتاج كلي - يقول تعالى : « فَاعْتَبِرُوا يَأُولِى الْأَبْصَارِ » . « اعتبروا » : من مادة « اعتبار » وفي الأصل مأخوذة من العبور ، أي العبور من شيء إلى شيء آخر ، ويقال لدمع العين « عبرة » بسبب عبور قطرات الدموع من العين ، وكذلك يقال « عبارة » لهذا السبب ، حيث إنّها تنقل المطالب والمفاهيم من شخص إلى آخر ، وإطلاق « تعبير المنام » على تفسير محتواه ، بسبب أنّه ينقل الإنسان من ظاهره إلى باطنه . وبهذه المناسبة يقال للحوادث التي فيها دروس وعظات « عبر » لأنّها توضّح للإنسان سلسلة من التعاليم الكليّة وتنقله من موضوع إلى آخر . والتعبير ب « أولى الأبصار » إشارة إلى الأشخاص الذين يتعاملون مع الحوادث بعين