تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مختصر الامثل — صفحة 485

مساهمون:

ص٤٨٥
وصف آخر للجنة : إنّ هذه الآية وصف لمصير كل من المؤمنين والكافرين ، فالفئة الأولى الذين يعملون الصالحات ، والثانية زيّن لهم سوء أعمالهم . وقد رفعت هذه الآية الغطاء عن ستة أنواع من نعم أهل النعيم ، وعن نوعين من أنواع العذاب الأليم لأصحاب الجحيم ، وهي تحدد عاقبة كلا الفريقين وتوضحها . تتحدث الآية عن أربعة أنهار في الجنة ، لكل منها سائله ومحتواه الخاص ، ثم تتحدث عن فواكه الجنة ، وأخيراً عن بعض المواهب المعنوية . تقول الآية أوّلًا : « مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِى وُعِدَ الْمُتَّقُونَ فِيهَا أَنْهَارٌ مِّن مَّاءٍ غَيْرِ ءَاسِنٍ » . ثم تضيف : « وَأَنْهَارٌ مّن لَّبَنٍ لَّمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ » وذلك أنّ الجنة مكان لا يعتريه الفساد ، ولا تتغيّر أطعمة الجنة بمرور الزمن ، وإنّما تتغيّر الأطعمة في هذه الحياة الدنيا ، لوجود أنواع الميكروبات التي تفسد المواد الغذائية بسرعة . ثم تطرّقت إلى ثالث نهر من أنهار الجنة ، فقالت : « وَأَنْهَارٌ مّنْ خَمْرٍ لَّذَّةٍ لِّلشَّارِبِينَ » . لا يخفى أنّ خمر الجنة وشرابها لا علاقة له بخمر الدنيا الملوّث مطلقاً ، بل هو كما يصفه القرآن في الآية ( 47 ) من سورة الصافات : « لَافِيهَا غَوْلٌ وَلَا هُمْ عَنْهَا يُنزَفُونَ » ، وليس فيه إلّا العقل والنشاط واللذة الروحية . وأخيراً تبيّن الآية رابع أنهار الجنة بأنّه : « وَأَنْهَارٌ مّنْ عَسَلٍ مُّصَفًّى » . وعلاوة على هذه الأنهار المختلفة التي خلق كل منها لغرض ، فقد تحدثت الآية عن فواكه الجنة في الموهبة الخامسة ، فقالت الآية : « وَلَهُمْ فِيهَا مِن كُلّ الثَّمَرَاتِ » . وأخيراً تتحدث عن الموهبة السادسة التي تختلف عن المواهب المادية السابقة ، إذ إنّ هذه الهبة معنوية روحية ، فتقول : « وَمَغْفِرَةٌ مّن رَّبّهِمْ » . ولنرَ الآن ماذا سيكون مصير الفريق المقابل للمؤمنين ، أي الكفار ؟ تقول الآية متابعة لحديثها : « كَمَنْ هُوَ خَالِدٌ فِى النَّارِ وَسُقُوا مَاءً حَمِيمًا فَقَطَّعَ أَمْعَاءَهُمْ » . جملة « سُقُوا » بصيغة الفعل المبني للمجهول ، توضح أنّ أصحاب الجحيم يسقون الماء الحميم بالقوة ، لا بإرادتهم ، وبدل الارتواء في تلك النار المحرقة فإنّه يقطّع أمعاءهم ، وكما هي طبيعة الجحيم ، فإنّهم يرجعون إلى حالتهم الأولى ، حيث لا موت هناك .