تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مختصر الامثل — صفحة 462

مساهمون:

ص٤٦٢
البوادي والفقراء والحفاة والجواري والعبيد ؟ إذا كان ديناً مقبولًا ومعقولًا فلا ينبغي أن يكون أتباعه من طبقة فقيرة واطئة اجتماعياً ، ونتخلف نحن أعيان المجتمع وأشرافه عن اتباعه . وقد أجاب القرآن هؤلاء جواباً شافياً كافياً سيتّضح في تفسير هذه الآيات . التّفسير شرط الإنتصار الإيمان والاستقامة : تستمر هذه الآيات في تحليل أقوال المشركين وأفعالهم ، ثم تقريعهم وملامتهم بعد ذلك ، فتشير أوّلًا إلى ما نطق به هؤلاء من كلام بعيد عن المنطق السليم ، مبنيّ على أساس الكبر والغرور ، فتقول : « وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ ءَامَنُوا لَوْ كَانَ خَيْرًا مَّا سَبَقُونَا إِلَيْهِ » . فما هؤلاء إلّاحفنة من الفقراء الحفاة من سكان القرى ، والعبيد الذين لاحظ لهم من العلم والمعرفة إلّاالقليل ، فكيف يمكن أن يعلم هؤلاء الحق وأن يقبلوا عليه ونحن - أعيان المجتمع وأشرافه - في غفلة عنه ؟ ولذلك فإنّ الآية تجيبهم في نهايتها بهذا التعبير اللطيف : « وَإِذْ لَمْ يَهْتَدُوا بِهِ فَسَيَقُولُونَ هذَا إِفْكٌ قَدِيمٌ » . أي : إنّ هؤلاء ما أرادوا أن يهتدوا بآيات القرآن ، لا أنّ القصور في قابلية القرآن على الهداية . جملة « سيقولون » بصيغة المضارع ، تدل على أنّهم كانوا يرمون القرآن بهذه التهمة دائماً ، وكانوا يتخذون هذا الاتهام غطاء لعدم إيمانهم . ثم تطرقت الآية إلى دليل آخر لإثبات كون القرآن حقاً ، ولنفي تهمة المشركين إذ كانوا يقولون : هذا إفك قديم ، فقالت : إنّ من علامات صدق هذا الكتاب العظيم أنّ كتاب موسى الذي يعتبر إماماً أي قدوة للناس ورحمة قد أخبر عن هذا النبي وصفاته ، وهذا القرآن أيضاً كتاب منسجم في آياته وفيه العلائم المذكورة في التوراة : « وَمِن قَبْلِهِ كِتَابُ مُوسَى إِمَامًا وَرَحْمَةً وَهذَا كِتَابٌ مُّصَدّقٌ » . وإذا كان الأمر كذلك ، فكيف تقولون : هذا إفك قديم ؟ ثم تضيف بعد ذلك : « لِّسَانًا عَرَبِيًّا » يفهمه الجميع ويستفيدون منه . ثم تبيّن في النهاية الهدف الرئيسي من نزول القرآن في جملتين قصيرتين ، فتقول : « لّيُنذِرَ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَبُشْرَى لِلْمُحْسِنِينَ » . وإذا لاحظنا أنّ جملة ( ينذر ) مضارعة تدل على الاستمرار والدوام ، فسيتّضح أنّ إنذار القرآن كبشارته دائمي مستمر ، فهو يحذر الظالمين