تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مختصر الامثل — صفحة 399

مساهمون:

ص٣٩٩
حوادث الماضي والمستقبل ، وكل الكتب السماوية ، ولا يستطيع أي أحد أن يصل إليه ويعلم ما فيه ، إلّاإذا أراد اللَّه سبحانه أن يُعلم أحداً بالمقدار الذي يريده عزّ وجل . وهذا وصف عظيم للقرآن الذي ينبع من علم اللَّه اللامتناهي ، وأصله وأساسه لديه سبحانه ، ولهذا يقول في الصفة الثانية : ( لعليّ ) وفي الثالثة ( حكيم ) . واعتبر البعض الآخر علوّ القرآن لاحتوائه على حقائق لا تدركها أفكار البشر ، وهي بعيدة عن مدى ما تستوعبه عقولهم . وفي الآية التالية يخاطب المنكرين للقرآن والمعرضين عنه فيقول : « أَفَنَضْرِبُ عَنكُمُ الذّكْرَ صَفْحًا أن كُنتُمْ قَوْمًا مُّسْرِفِينَ » . صحيح أنّكم لم تألوا جهداً في مخالفتكم للحق وعدائه ، إلّاأنّ رحمة اللَّه سبحانه واسعة بحدّ لا تشكل هذه الأعمال المناوئة حاجزاً في طريقها ، ونظل ننزل باستمرار هذا الكتاب السماوي الذي يوقظكم ، وآياته التي تبعث الحياة فيكم ، حتى تهتزّ القلوب التي لها أدنى حظ من الاستعداد وتثوب إلى طريق الحق ، وهذا هو مقام رحمة اللَّه العامة ، أي : رحمانيته التي تشمل العدو والصديق ، والمؤمن والكافر . « الصفح » : في الأصل بمعنى جانب الشيء وطرفه ، ويأتي أيضاً بمعنى العرض والسعة ، وهو في الآية بالمعنى الأوّل . أي : أنحول عنكم هذا القرآن الذي هو أساس التذكرة إلى جانب وطرف آخر ؟ « المسرف » : من الإسراف ، وهو تجاوز الحدّ ، إشارة إلى أنّ المشركين وأعداء النبي صلى الله عليه وآله لم يقفوا عند حدّ في خلافهم وعدائهم مطلقاً . ثم يقول في عبارة قصيرة كشاهد على ما قيل ، وتسليةً لخاطر النبي صلى الله عليه وآله وتهديداً للمنكرين المعاندين : « وَكَمْ أَرْسَلْنَا مِن نَّبِىّ فِى الْأَوَّلِينَ * وَمَا يَأْتِيهِم مّن نَّبِىّ إِلَّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِءُونَ » . إنّ هذه المخالفات وأنواع السخرية لم تكن لتمنع لطف اللَّه ورحمته أبداً ، فإنّها فيض متواصل من الأزل إلى الأبد ، ووجود يعمّ عطاؤه كل العباد ، بل إنّه سبحانه قد خلقهم للرحمة « وَلِذلِكَ خَلَقَهُمْ » « 1 » . ولهذا فإنّ إعراضكم وعنادكم سوف لا يمنع لطفه مطلقاً .
هامش
( 1 ) سورة هود / 119 .
مختصر الامثل — صفحة 399 | الشيخ ناصر مكارم الشيرازي