تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مختصر الامثل — صفحة 251

مساهمون:

ص٢٥١
إلى الباريء عزّ وجل قائلين : « قَالُوا رَبَّنَا مَن قَدَّمَ لَنَا هذَا فَزِدْهُ عَذَابًا ضِعْفًا فِى النَّارِ » . العذاب الأوّل لأنّهم أضلّوا أنفسهم ، والثاني لأنّهم أضلّونا . هذه هي نهاية كل من عقد الصداقة مع المنحرفين وبايعهم على السير في طرق الضلال والانحراف ، فإنّهم عندما يرون نتائج أعمالهم الوخيمة يلعن بعضهم بعضاً ويتخاصمون فيما بينهم . والملفت للنظر هنا أنّ الآيات التي تذكر النعم التي يغدقها الباريء عزّ وجل على المتّقين كانت أكثر تنوّعاً من الآيات التي إستعرضت عذاب الطغاة المتجبّرين ، إذ أشارت آيات القسم الأوّل إلى سبع نعم ، بينما أشارت آيات القسم الثاني إلى خمسة أنواع من العذاب ، يحتمل أن يكون السبب هو سبق رحمة اللَّه لغضبه ، « يامن سبقت رحمتُه غضبَه » . وَقَالُوا مَا لَنَا لَا نَرَى رِجَالًا كُنَّا نَعُدُّهُمْ مِنَ الْأَشْرَارِ ( 62 ) أَتَّخَذْنَاهُمْ سِخْرِيّاً أَمْ زَاغَتْ عَنْهُمُ الْأَبْصَارُ ( 63 ) إِنَّ ذلِكَ لَحَقٌّ تَخَاصُمُ أَهْلِ النَّارِ ( 64 ) تخاصم أهل النار : آيات بحثنا تواصل استعراض الجدال الدائر بين أهل جهنم . تقول أولى تلك الآيات : « وَقَالُوا مَا لَنَا لَانَرَى رِجَالًا كُنَّا نَعُدُّهُم مّنَ الْأَشْرَارِ » . فعندما يبحث أفراد اتّبعوا أئمّة الضلال ، أمثال أبي جهل وأبي لهب ، عن أشخاص آخرين مثل عمّار بن ياسر وخباب وصهيب وبلال ، في نار جهنم يرجعون إلى ذاتهم متسائلين ، ويستفسرون من الآخرين : أين أولئك الأشخاص ؟ وتضيف الآيات نقلًا عن أهل جهنم : « أَتَّخَذْنَاهُمْ سِخْرِيًّا أَمْ زَاغَتْ عَنْهُمُ الْأَبْصَارُ » . إنّنا كنّا نسخر من هؤلاء الرجال العظماء ذوي المقام الرفيع ، ونعتبرهم اناساً حقراء لا يستحقّون أن ننظر إليهم ، ولكن اتّضح لنا الآن أنّ جهلنا وغرورنا وأهواءنا هي التي أسدلت على أعيننا ستائر حجبت الحقيقة عنّا ، فهؤلاء كانوا من المقربين للَّه‌ومكانهم الآن في الجنة . ومن الضروري الالتفات إلى أنّ أحد أسباب عدم إدراك الحقائق هو عدم أخذها بطابع الجدّ ، إضافة إلى الاستهزاء بها ، إذ يجب على الدوام مناقشة الحقائق بشكل جدّي للوصول إليها . ثم تخرج الآية الأخيرة بالنتيجة التي تمخّض عنها الجدال بين أهل جهنم ، وتؤكّد على ما مضى بالقول : « إِنَّ ذلِكَ لَحَقٌّ تَخَاصُمُ أَهْلِ النَّارِ » .
مختصر الامثل — صفحة 251 | الشيخ ناصر مكارم الشيرازي