تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مختصر الامثل — صفحة 146

مساهمون:

ص١٤٦
الآية التالية تتناول وصفاً آخر لحالة تلك المجموعة ، وتمثيلًا ناطقاً عن عوامل وأسباب عدم تقبّلهم الحقائق فتقول : « وَجَعَلْنَا مِن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا » . وحوصروا بين هذين السدّين وأمسوا لا يملكون طريقاً لا إلى الأمام ولا إلى الوراء ، آنئذ : « فَأَغْشَيْنَاهُمْ فَهُمْ لَايُبْصِرُونَ » . فكذلك حال المستكبرين المعاندين العمي الصمّ في قبال الحقائق . لهذا فإنّه تعالى يقول في آخر آية من هذه المجموعة : « وَسَوَاءٌ عَلَيْهِمْ ءَأَنذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ » . فمهما كان حديثك نافذاً في القلوب ومهما كان أثر الوحي السماوي ، فإنّه لن يؤثّر ما لم يجد الأرضية المناسبة . إِنَّمَا تُنْذِرُ مَنِ اتَّبَعَ الذِّكْرَ وَخَشِيَ الرَّحْمنَ بِالْغَيْبِ فَبَشِّرْهُ بِمَغْفِرَةٍ وَأَجْرٍ كَرِيمٍ ( 11 ) إِنَّا نَحْنُ نُحْيِي الْمَوْتَى وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآثَارَهُمْ وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُبِينٍ ( 12 ) من هم الذين يتقبّلون إنذارك : كان الحديث في الآيات السابقة عن مجموعة لا تملك أي استعداد لتقبّل الإنذارات الإلهية ويتساوى عندهم الإنذار وعدمه ، أمّا هذه الآيات فتتحدّث عن فئة أخرى هي على النقيض من تلك الفئة ، وذلك لكي يتّضح المطلب بالمقارنة بين الفئتين كما هو أسلوب القرآن . تقول الآية الأولى من هذه المجموعة : « إِنَّمَا تُنذِرُ مَنِ اتَّبَعَ الذّكْرَ وَخَشِىَ الرَّحْمنَ بِالْغَيْبِ فَبَشّرْهُ بِمَغْفِرَةٍ وَأَجْرٍ كَرِيمٍ » . التعبير ب « الغيب » هنا إشارة إلى معرفة اللَّه عن طريق الاستدلال والبرهان . جملة « فبشّره » تكميل للإنذار ، إذ إنّ الرسول صلى الله عليه وآله في البدء ينذر ، وحين يتحقق للإنسان اتّباع الذكر والخشية وتظهر آثارها على قوله وفعله ، هنا يبشّره الباريء عزّ وجل . يبشّره بأنّ اللَّه العظيم سيغفر له تلك الزلّات جميعها ، ويبشّره بعدئذ بأجر كريم وثواب جزيل لا يعلم مقداره ونوعه إلّااللَّه سبحانه . بعد ذلك وبما يتناسب مع البحث الذي كان في الآية السابقة حول الأجر والثواب العظيم للمؤمنين ، تنتقل الآية التالية إلى الإشارة إلى مسألة المعاد والبعث والكتاب والحساب والمجازاة ، تقول الآية الكريمة : « إِنَّا نَحْنُ نُحْىِ الْمَوتَى » .