في هذه الآيات - محل البحث - يعقب القرآن على البحوث التي كانت حول المبدأ والمعاد أيضاً ، فيعود إلى بيان مشهد من مشاهد يوم القيامة الأليمة ، وذلك بتجسيمه حالة المجرمين في ذلك اليوم ، إذ يقول : « وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يُقْسِمُ الْمُجْرِمُونَ مَا لَبِثُوا غَيْرَ سَاعَةٍ » في عالم البرزخ . أجل ، « كَذلِكَ كَانُوا يُؤْفَكُونَ » فإنّهم فيما سبق كانوا محرومين من إدراك الحقائق ومصروفين عنها .
والتعبير ب « الساعة » عن يوم القيامة هو إمّا لأنّ يوم القيامة يقع في لحظة مفاجئة ، أو لأنّه من جهة أنّ أعمال العباد تحاسب بسرعة هناك ، لأنّ اللَّه سريع الحساب .
أمّا الآية التالية فتتحدث عن جواب المؤمنين المطلعين على كلام المجرمين الغافلين عن حالة البرزخ والقيامة فتقول : « وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَالْإِيمنَ لَقَدْ لَبِثْتُمْ فِى كِتبِ اللَّهِ إِلَى يَوْمِ الْبَعْثِ فَهذَا يَوْمُ الْبَعْثِ وَلكِنَّكُمْ كُنتُمْ لَاتَعْلَمُونَ » .
وتقديم العلم على الإيمان هو لأنّ العلم أساس الإيمان .
وجملة « فِى كِتَابِ اللَّهِ » لعلّه إشارة إلى الكتاب التكويني ، أو إلى الكتاب السماوي ، أو إشارة إليهما معاً ، أي كان - بأمر اللَّه التكويني والتشريعي - مقدّراً أن تلبثوا مثل هذه المدّة في البرزخ ، ثم تحشرون في يوم القيامة .
فحين يواجه المجرمون واقعهم المرير المؤلم يظهرون ندمهم ويتوبون ويعتذرون ممّا صنعوا ، لكن القرآن يقول في هذا الصدد :
« فَيَوْمَئِذٍ لَّايَنفَعُ الَّذِينَ ظَلَمُوا مَعْذِرَتُهُمْ وَلَا هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ » .
مختصر الامثل — صفحة 587
مساهمون: الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
ص٥٨٧