تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مختصر الامثل — صفحة 540

مساهمون:

ص٥٤٠
الآيسون من رحمة اللَّه : هذه الآيات تواصل البحث في المعاد أيضاً ، فإنّ القرآن يدعو في الآية الأولى من هذا المقطع الناس إلى « السير في الآفاق » في مسألة المعاد . . . في حين أنّ الآية السابقة كانت السمة فيها « السير في الأنفس » أكثر . يقول القرآن : « قُلْ سِيرُوا فِى الْأَرْضِ فَانظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ » . انظروا إلى أنواع الموجودات الحية ، والأقوام والأمم المتنوعة والمختلفة ، وكيف أنّ اللَّه تعالى خلقها أولًا ، ثم إنّ اللَّه نفسه الذي أوجدها في البداية من العدم قادر أيضاً على ايجادها في الآخرة : « ثُمَّ اللَّهُ يُنشِئُ النَّشْأَةَ الْأَخِرَةَ » ولأنّه أثبت قدرته على كل شيء حين خلق الخلق أوّلًا ، إذن ف « إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلّ شَىْءٍ قَدِيرٌ » . فهذه الآية والآية التي قبلها - أيضاً - أثبتتا بواسطة قدرته الواسعة إمكان المعاد . . « النشأة » : في الأصل ، تعني إيجاد الشيء وتربيته ، وقد يعبر أحياناً عن الدنيا بالنشأة الأولى ، كما يعبر عن الأخرى بالنشأة الآخرة . ثم يتعرض القرآن الكريم إلى إحدى المسائل المتعلقة بالمعاد ، وهي مسألة الرحمة والعذاب ، فيقول : « يُعَذّبُ مَن يَشَاءُ وَيَرْحَمُ مَن يَشَاءُ وَإِلَيْهِ تُقْلَبُونَ » . ومع أنّ رحمة اللَّه مقدمة على غضبه ، إلّاأنّ الآية هنا تبدأ أوّلًا بذكر العذاب ثم الرحمة ، لأنّها في مقام التهديد ، وما يناسب مقام التهديد هو هذا الأسلوب . وإكمالًا لهذا البحث الذي يبيّن أنّ الرحمة والعذاب هما بيد اللَّه والمعاد إليه ، يضيف القرآن : إذا كنتم تتصورون أنّكم تستطيعون أن تهربوا من سلطان اللَّه وحكومته ولا يمسّكم عذابه ، فأنتم في خطأ كبير . . . فليس الأمر كذلك ؛ « وَمَا أَنتُم بِمُعْجِزِينَ فِى الْأَرْضِ وَلَا فِى السَّمَاءِ » « 1 » . وإذا كنتم تتصورون أنّكم تجدون من يدافع عنكم وينصركم هناك ، فهذا خطأ محضٌ أيضاً : « وَمَا لَكُمْ مِّن دُونِ اللَّهِ مِنْ وَلِىّ وَلَا نَصِيرٍ » . وهكذا يغلق القرآن جميع أبواب الفرار بوجه هؤلاء المجرمين . . لذلك يقول في الآية التي بعدها بشكل قاطع : « وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَايتِ اللَّهِ وَلِقَائِهِ أُولئِكَ يِسُوا مِنْ رَّحْمَتِى » . ثم يضيف مؤكداً : « وَأُولئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ » . هذا « العذاب الأليم » هو لزم اليأس من رحمة اللَّه .
هامش
( 1 ) « معجزين » : مشتقة من مادة « عجز » ، ومعناها في الأصل التخلّف والتأخر عن الشيء ، ولذلك تستعمل هذه الكلمة في الضعف الباعث على التخلف والتأخر ؛ « المعجزة » : معناه الذي يجعل الآخر عاجزاً ، وحيث إنّ الأفراد الذين يفرون من سلطان أحد وقدرته ، يعجزونه عن ملاحقتهم ، لذلك استعملت كلمة « معجز » في هذا الصدد أيضاً .