تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مختصر الامثل — صفحة 454

مساهمون:

ص٤٥٤
تهمة أخرى للقرآن : حيث إنّ الآيات المتقدمة ختمت بجملة « هَلْ نَحْنُ مُنظَرُونَ » التي يقولها المجرمون عندما يأتيهم العذاب بغتة وهم على أبواب الهلاك ، طالبين الإمهال والرجوع للتعويض عما فاتهم من الأعمال ، فالآيات محل البحث تردّ عليهم عن طريقين : الأوّل قوله تعالى : « أَفَبِعَذَابِنَا يَسْتَعْجِلُونَ » . والآخر أنّه : « أَفَرَءَيتَ إِن مَّتَّعْنهُمْ سِنِينَ * ثُمَّ جَاءَهُم مَّا كَانُوا يُوعَدُونَ * مَا أَغْنَى عَنْهُم مَّا كَانُوا يُمَتَّعُونَ » . فعلى فرض أنّهم أمهلوا ثانية ( ولن يُمهلوا بعد إتمام الحجة عليهم ) الا يكون عملهم التمتع والتلذذ بالمواهب الماديّة فحسب . وهل يعوّضون عمّا فاتهم ؟ ! كلّا أبداً . وهنا يثار سؤال وهو أنّه مع الالتفات إلى أنّ اللَّه عالم بمستقبل كل قوم وجماعة ، فما الحاجة إلى الإمهال ؟ ثم أنّ الأمم السالفة كذبت أنبياءها واحداً بعد الآخر ، فعلام يأتي الأنبياء منذرين ومبشرين ؟ ! فالقرآن يجيب على هذا السؤال بأنّ ذلك سنة اللَّه : « وَمَا أَهْلَكْنَا مِن قَرْيَةٍ إِلَّا لَهَا مُنذِرُونَ » . فنرسل الأنبياء لهم لإتمام الحجة وتقديم النصح والموعظة ليتذكروا ويستيقظوا من غفلتهم « ذِكْرَى » . ولو كنّا نأخذهم بدون إتمام الحجة ، وذلك بإرسال المنذرين والمبشرين - من قِبَل اللَّه - لكان ظلماً منّا « وَمَا كُنَّا ظلِمِينَ » . فمن الظلم أن نُهلك غير الظالمين ، أو نهلك الظالمين دون إتمام الحجة عليهم . ثم يردّ القرآن على إحدى الذرائع أو التُهم الباطلة من قِبَل أعداء القرآن وهي أنّ النبي مرتبط ببعض الجن ، وهو يعلمه هذه الآيات ، والحال أنّ القرآن يؤكّد أنّ هذه الآيات هي من « تنزيل ربّ العالمين » . فيضيف هنا قائلًا : « وَمَا تَنَزَّلَتْ بِهِ الشَّيطِينُ » . ثم يبيّن جواب هذه التهمة الواهية التي اختلقها الأعداء ، فيقول : « وَمَا يَنبَغِى لَهُمْ » . أي : أنّ محتوى هذا الكتاب العظيم الذي يدعو إلى الحق والطهارة والعدل والتقوى ، ونفي كل أنواع الشرك ، يدلّ دلالة واضحة على أنّه لا شباهة له بأفكار الشياطين وما يلقونه . ثم إنّ الشياطين ليست لهم القدرة على ذلك « وَمَا يَسْتَطِيعُونَ » . فإذا كانت لهم القدرة فينبغي على سائر من كان في محيط نزول القرآن كالكهنة المرتبطين