تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مختصر الامثل — صفحة 432

مساهمون:

ص٤٣٢
وبعد بيان أولى مراحل الربوبية ، وهي الهداية بعد الخلق ، يذكر إبراهيم الخليل عليه السلام النعم المادية فيقول : « وَالَّذِى هُوَ يُطْعِمُنِى وَيَسْقِينِ » . ولست مشمولًا بنعمة في حال الصحة فقط ، بل في كل حال ، « وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ » . ومع أنّ المرض أيضاً قد يكون من اللَّه ، إلّاأنّ إبراهيم نسبه إلى نفسه رعاية للأدب في الكلام . . . ثم يتجاوز مرحلة الحياة الدنيا إلى مرحلة أوسع منها . . . إلى الحياة الدائمة في الدار الآخرة ، فيقول : « وَالَّذِى يُمِيتُنِى ثُمَّ يُحْيِينِ » . وحين أرِدُ عرصات يوم القيامة اعلقّ حبل رجائي على كرمه : « وَالَّذِى أَطْمَعُ أَن يَغْفِرَ لِى خَطِيَتِى يَوْمَ الدّينِ » . وممّا لا شك فيه أنّ الأنبياء معصومون من الذنب ، وليس عليهم وزر كي يغفر لهم . . . إلّاأنّه - كما قلنا سابقاً - قد تعدّ حسنات الأبرار سيئات المقربين أحياناً ، وقد يستغفرون أحياناً من عمل صالح لأنّهم تركوا خيراً منه . . . فيقال عندئذ في حق أحدهم : ترك الأولى . فإبراهيم عليه السلام لا يعوّل على أعماله الصالحة ، فهي لا شيء بإزاء كرم اللَّه ، ولا تقاس بنعم اللَّه المتواترة ، بل يعوّل على لطف اللَّه فحسب ، وهذه هي آخر مرحلة من مراحل الانقطاع إلى اللَّه . . . رَبِّ هَبْ لِي حُكْماً وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ ( 83 ) وَاجْعَلْ لِي لِسَانَ صِدْقٍ فِي الْآخِرِينَ ( 84 ) وَاجْعَلْنِي مِنْ وَرَثَةِ جَنَّةِ النَّعِيمِ ( 85 ) وَاغْفِرْ لِأَبِي إِنَّهُ كَانَ مِنَ الضَّالِّينَ ( 86 ) وَلَا تُخْزِنِي يَوْمَ يُبْعَثُونَ ( 87 ) دعاء إبراهيم عليه السلام : من هنا تبدأ أدعية إبراهيم الخليل وسؤالاته من اللَّه ، فكأنّه بعد أن دعا قومه الضالين نحو اللَّه ، يتجه بوجهه نحو اللَّه ويعرض عنهم ، فأوّل ما يطلبه إبراهيم من ساحته المقدسة هو « رَبّ هَبْ لِى حُكْمًا وَأَلْحِقْنِى بِالصَّالِحِينَ » . إنّ إبراهيم عليه السلام يطلب من اللَّه قبل كل شيء المعرفة العميقة الصحيحة المقرونة بالحاكمية ، لأنّ أي منهج لا يتحقق دون هذا الأساس .