تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مختصر الامثل — صفحة 354

مساهمون:

ص٣٥٤
على الرغم من عدم متابعة هذه الآيات حديث الإفك بصراحة ، إلّاأنّها تعتبر مكملة لمضمون ذلك البحث ، وتحذّر المؤمنين جميعاً من تأثير الأفكار الشيطانية فعلى هذا حينما يشعر الفرد بأوّل وسوسة شيطانية بإشاعة الفحشاء أو ارتكاب أي ذنب آخر فيجب التصدي له بقوة حاسمة ، حتى يمنع من انتشاره وتوسّعه . وتخاطب الآية الأولى المؤمنين ، فتقول : « يَا أَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا لَاتَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطنِ وَمَن يَتَّبِعْ خُطُوَاتِ الشَّيْطنِ فَإِنَّهُ يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ » . وحيث لا يمكن جرّ أي إنسان مؤمن متطهر مرّة واحدة إلى الفساد ، فإنّ ذلك يتمّ خطوة بعد أخرى في طريق الفساد . وأخيراً الابتلاء بالكبائر ، وهذه معني جملة « خُطُوَاتِ الشَّيْطنِ » . ثم تشير الآية إلى أهم النعم الكبيرة التي منّ اللَّه بها على الإنسان في هدايته فتقول : « وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَى مِنكُم مِّنْ أَحَدٍ أَبَدًا وَلكِنَّ اللَّهَ يُزَكّى مَن يَشَاءُ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ » . ولا شك في أنّ الفضل والرحمة الإلهية ينقذان الإنسان من الإنحطاط والانحراف من الذنوب جميعاً ، فاللَّه منحه العقل ، ولطف به فأرسل إليه الرسل ، ويسّر له سبل الارتقاء والاهتداء ، وأعانه على استكمال الخير ، وإضافة إلى هذه المواهب شمل اللَّه الذين تطهروا بتوفيقاته الخاصّة ، وإمداداته التي يستحقونها ، والتي تعتبر أهم عنصر في تطهير وتزكية النفس . وذكر عدد من المفسرين - ومنهم الطبرسي في المجمع - سبباً لنزول الآية الثانية - من الآيات موضع البحث - يكشف عن تلاحمها مع الآيات السابقة ، قال : نزلت في جماعة من الصحابة أقسموا على أن لا يتصدقوا على رجل تكلّم بشيء من الإفك ولا يواسوهم . فنزلت هذه الآية لتمنعهم من ردّ فعل قاس ، وأمرتهم بالعفو والسماح . نعود الآن إلى تفسير الآية بملاحظة سبب النزول هذا . يقول القرآن : « وَلَا يَأْتَلِ أُولُوا الْفَضْلِ مِنكُمْ وَالسَّعَةِ أَن يُؤْتُوا أُولِى الْقُرْبَى وَالْمَسكِينَ وَالْمُهجِرِينَ فِى سَبِيلِ اللَّهِ » . إنّ هذا التعبير يكشف أنّ عدداً ممن تورّط في قضية الإفك كانوا من المهاجرين في سبيل اللَّه إذ خدعهم المنافقون ، ولم يجز اللَّه طردهم من المجتمع الإسلامي لماضيهم المجيد ، كما لم يسمح بعقابهم أكثر مما يستحقونه .