ذبح حيوان باسم اللَّه ولكسب رضاه يبيّن استعداد الإنسان للتضحية بنفسه في سبيل اللَّه ، والاستفادة من لحم الأضحية وتوزيعه على الفقراء أمر منطقي .
ولذا يذكر القرآن في نهاية هذه الآية : « فَإِلهُكُمْ إِلهٌ وَاحِدٌ » . وبما أنّه إله واحد « فَلَهُ أَسْلِمُوا » . وبشّر الذين يتواضعون لأحكامه الربانية و « بَشّرِ الْمُخْبِتِينَ » « 1 » .
ثم يوضّح القرآن المجيد في الآية التالية صفات المخبتين ( المتواضعين ) وهي أربع : اثنتان منها ذات طابع معنوي ، واثنتان ذات طابع جسماني .
يقول في الأوّل : « الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ » . لا يخافون في غضبه دون سبب ولا يشكّون في رحمته ، بل إنّ خوفهم ناتج عن عظمة المسؤوليات التي بذمّتهم ، واحتمال تقصيرهم في أدائها ، وليقينهم بجلال اللَّه سبحانه يقفون بين يديه بكل خشوع .
والثاني : « وَالصبِرِينَ عَلَى مَا أَصَابَهُمْ » . فهؤلاء يصبرون على ما يكابدونه في حياتهم من مصائب وآلام ، ولا يكفرون بأنعم اللَّه أبداً ، وبإيجاز نقول : يستقيمون وينتصرون .
والثالث والرابع : « وَالْمُقِيمِى الصَّلَوةِ وَمِمَّا رَزَقْنهُمْ يُنفِقُونَ » . فمن جهة توطّدت علاقتهم ببارىء الخلق وازدادوا تقرّباً إليه ، ومن جهة أخرى إشتدّ ارتباطهم بالخلق بالإنفاق .
وَالْبُدْنَ جَعَلْنَاهَا لَكُمْ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ لَكُمْ فِيهَا خَيْرٌ فَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا صَوَافَّ فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ كَذلِكَ سَخَّرْنَاهَا لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ( 36 ) لَنْ يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلَا دِمَاؤُهَا وَلكِنْ يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنْكُمْ كَذلِكَ سَخَّرَهَا لَكُمْ لِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَبَشِّرِ الْمُحْسِنِينَ ( 37 ) إِنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ خَوَّانٍ كَفُورٍ ( 38 )
لماذا الأضحية ؟ عاد الحديث عن مراسم الحج وشعائره الإلهية والأضحية ثانية ، ليقول أوّلًا : « وَالْبُدْنَ جَعَلْنهَا لَكُم مّن شَعَائِرِ اللَّهِ » . إنّ « البُدن » : وهي الإبل البدينة تعلّقت بكم من جهة ، ومن جهة أخرى هي من شعائر اللَّه وعلائمه في هذه العبادة العظيمة ، فالاضحية في
هامش
( 1 ) « المخبتين » : مشتقة من « الإخبات » وأصلها « خبت » وهي الأرض المستوية الواسعة التي يمشي الإنسان فيها بكلّ سهولة ، كما جاءت بمعنى الاطمئنان والخضوع ، لأنّ السير في هذه الأرض يلازمه الاطمئنان ، ولهذا تكون خاضعة مستسلمة للسائرين عليها .