تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مختصر الامثل — صفحة 266

مساهمون:

ص٢٦٦
فَأَغْرَقْنهُمْ أَجْمَعِينَ » . إنّ هذه الجملة تؤكّد مرّة أخرى على حقيقة أنّ العقوبات الإلهية لا تتّصف بصفة الانتقام مطلقاً ، بل هي على أساس انتخاب الأصلح ، أي إنّ حق الحياة والتنعّم بمواهب الحياة لُاناس يكونون في طريق التكامل والسير إلى اللَّه ، أو انّهم إذا ساروا يوماً في طريق الانحراف إنتبهوا إلى أنفسهم ورجعوا إلى جادة الصواب . وَدَاوُدَ وَسُلَيْمَانَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الْحَرْثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَاهِدِينَ ( 78 ) فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ وَكُلًّا آتَيْنَا حُكْماً وَعِلْماً وَسَخَّرْنَا مَعَ دَاوُدَ الْجِبَالَ يُسَبِّحْنَ وَالطَّيْرَ وَكُنَّا فَاعِلِينَ ( 79 ) وَعَلَّمْنَاهُ صَنْعَةَ لَبُوسٍ لَكُمْ لِتُحْصِنَكُمْ مِنْ بَأْسِكُمْ فَهَلْ أَنْتُمْ شَاكِرُونَ ( 80 ) قضاء داود وسليمان عليهما السلام : بعد الحوادث والوقائع المتعلقة بموسى وهارون وإبراهيم ونوح ولوط عليهم السلام ، تشير هذه الآيات إلى جانب من حياة داود وسليمان ، وفي البداية أشارت إشارة خفية إلى حادث قضاء وحكم صدر من جانب داود وسليمان ، فتقول : « وَدَاوُودَ وَسُلَيْمنَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِى الْحَرْثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شهِدِينَ » « 1 » . إنّ القصة كانت كما يلي : إنّ قطيع أغنام لبعض الرعاة دخلت ليلًا إلى بستان فأكلت أوراقه وعناقيد العنب منه فأتلفته ، فرفع صاحب البستان شكواه إلى داود ، فحكم داود بأن تعطى كل الأغنام لصاحب البستان تعويضاً لهذه الخسارة الفادحة ، فقال سليمان - والذي كان طفلًا آنذاك - لأبيه : يا نبي اللَّه العظيم ، غيّر هذا الحكم وعدّ له . فقال الأب : وكيف ذاك ؟ قال : يجب أن تودع الأغنام عند صاحب البستان ليستفيد من منافعها ولبنها وصوفها ، وتودع البستان في يد صاحب الأغنام ليسعى في إصلاحه ، فإذا عاد البستان إلى حالته الأولى يُردّ إلى صاحبه ، وتردّ الأغنام أيضاً إلى صاحبها ؛ وأيّد اللَّه حكم سليمان في الآية التالية : « فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمنَ » . ولكن هذا لا يعني أنّ حكم داود كان إشتباهاً وخطأً ، لأنّها تضيف مباشرةً : « وَكُلًّا ءَاتَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمًا » . ثم تشير إلى إحدى المواهب والفضائل التي كان اللَّه سبحانه قد وهبها لداود عليه السلام ، فتقول :
هامش
( 1 ) « نفشت » : من مادّة نَفْش على وزن ( حرب ) ، أي التفرّق والتبعثر في الليل ، ولمّا كان تفرّق الأغنام في الليل ، وفي المزرعة سيقترن بالتهام نباتها حتماً ، لذا قال البعض : إنّها الرعي في الليل ؛ و « نَفَش » ( على وزن علم ) تعني الأغنام التي تتفرّق في الليل .