تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مختصر الامثل — صفحة 214

مساهمون:

ص٢١٤
فرعون يُهيّء نفسه للجولة الأخيرة : تعكس هذه الآيات مرحلة أخرى من المواجهة بين موسى وفرعون ، ويبدأ القرآن الكريم هذا الفصل بهذه الجملة : « وَلَقَدْ أَرَيْنهُ ءَايَاتِنَا كُلَّهَا فَكَذَّبَ وَأَبَى » . ومن المسلّم أنّ المراد من هذه الآيات هي المعجزات التي أراها فرعون في بداية دعوته ، معجزة العصا ، واليد البيضاء ، ومحتوى دعوته السماوية الجامعة . والآن ، لنر ماذا قال فرعون الطاغي المستكبر العنود في مقابل موسى ومعجزاته ، وكيف اتّهمه كما هي عادة كل المتسلطين والحكّام المتعنّتين ؟ « قَالَ أَجِئْتَنَا لِتُخْرِجَنَا مِنْ أَرْضِنَا بِسِحْرِكَ يمُوسَى » . وهو إشارة إلى أنّنا نعلم أنّ مسألة النبوة والدعوة إلى التوحيد ، وإظهار هذه المعجزات تشكّل بمجموعها خطّة منسّقة للانتصار علينا ، وبالتالي إخراجنا مع الأقباط من أرض آبائنا وأجدادنا . إنّ هذه التهمة هي نفس الحربة التي يستخدمها الطواغيت والمستعمرون على امتداد التاريخ ، ويلوحون بها ويشهرونها كلّما رأوا أنفسهم في خطر ، ومن أجل إثارة الناس لصالحهم يثيرون مسألة تعرّض مصالح البلد للخطر ، فالبلد يعني حكومة هؤلاء العتاة ، ووجوده يعني وجودهم ! ثم أضاف فرعون بأن لا تظن بأنّنا نعجز عن أن نأتي بمثل هذا السحر : « فَلَنَأْتِيَنَّكَ بِسِحْرٍ مّثْلِهِ » . ولكي يظهر حزماً أكثر فإنّه قال : « فَاجْعَلْ بَيْنَنَا وَبَيْنَكَ مَوْعِدًا لَّانُخْلِفُهُ نَحْنُ وَلَا أَنتَ مَكَانًا سُوًى » . إلّا أنّ موسى لم يفقد هدوء أعصابه ، ولم يدع للخوف من عنجهيّة فرعون إلى قلبه طريقاً ، بل قال بحزم : « قَالَ مَوْعِدُكُمْ يَوْمُ الزّينَةِ وَأَن يُحْشَرَ النَّاسُ ضُحًى » « 1 » . إنّ التعبير ب « يَوْمُ الزّينَةِ » إشارة إلى يوم عيد إلّاأنّ المهم هو أنّ الناس كانوا يعطّلون أعمالهم فيه . إنّ فرعون بعد مشاهدة معجزات موسى العجيبة ، وتأثيرها النفسي في أنصاره ، صمّم على مواجهة موسى عليه السلام بالاستعانة بالسّحرة ، ولذلك وضع الاتفاق المذكور مع موسى « فَتَوَلَّى فِرْعَوْنُ فَجَمَعَ كَيْدَهُ ثُمَّ أَتَى » . وأخيراً حلّ اليوم الموعود ، ووقف موسى أمام جميع الحاضرين ، الذين كان بعضهم
هامش
( 1 ) « الضحى » : بمعنى زيادة أشعّة الشمس ، أو ارتفاع الشمس .
مختصر الامثل — صفحة 214 | الشيخ ناصر مكارم الشيرازي