تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مختصر الامثل — صفحة 184

مساهمون:

ص١٨٤
إبراهيم ومنطقه المؤثر والقاطع : تزيح هذه الآيات الستار عن جانب من حياة بطل التوحيد إبراهيم الخليل عليه السلام ، وتؤكّد على أنّ دعوة هذا النبي الكبير - كسائر المرشدين الإلهيين - تبدأ من نقطة التوحيد ، فتقول أوّلًا : « وَاذْكُرْ فِى الْكِتبِ إِبْرهِيمَ إِنَّهُ كَانَ صِدّيقًا نَبِيًّا » . إنّ أبرز صفة يلزم وجودها في كل الأنبياء وحملة الوحي الإلهي أن يوصلوا أوامر اللَّه إلى العباد دون زيادة أو نقصان . ثم تتطرق الآية التي بعدها إلى شرح محاورته مع أبيه آزر - والأب هنا إشارة إلى العم ، فإنّ كلمة الأب ، كما قلنا سابقاً ، ترد أحياناً في لغة العرب بمعنى الأب ، وأحياناً بمعنى العم - فتقول : « إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ يَا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لَايَسْمَعُ وَلَا يُبْصِرُ وَلَا يُغْنِى عَنكَ شَيًا » . إنّ هذا البيان القصير القاطع من أحسن أدلة نفي الشرك وعبادة الأوثان ، لأنّ أحد بواعث الإنسان في معرفة الرب هو باعث الربح والخسارة ، والضرر والنفع ، والذي يعبّر عنه علماء العقائد بمسألة ( دفع الضرر المحتمل ) . فهو يقول : لماذا تتّجه إلى معبود ليس عاجزاً عن حل مشكلة من مشاكلك وحسب ، بل إنّه لا يملك أصلًا القدرة على السمع والبصر . بعد ذلك دعاه - عن طريق المنطق الواضح - إلى اتّباعه ، فقال : « يَا أَبَتِ إِنّى قَدْ جَاءَنِى مِنَ الْعِلْمِ مَا لَمْ يَأْتِكَ فَاتَّبِعْنِى أَهْدِكَ صِرَاطًا سَوِيًّا » . فإنّي قد وعيت اموراً كثيرة عن طريق الوحي ، وأستطيع أن أقول باطمئنان : إنّي سوف لا أسلك طريق الضلال والخطأ ، ولا أدعوك أبداً إلى هذا الطريق المعوج . ثم يعطف نظره إلى الجانب السلبي من القضية بعد ما ذكر بعدها الايجابي ويشير إلى الآثار التي تترتب على مخالفة هذه الدعوة ، فيقول : « يَا أَبَتِ لَاتَعْبُدِ الشَّيْطنَ إِنَّ الشَّيْطنَ كَانَ لِلرَّحْمنِ عَصِيًّا » . إنّ العبادة هنا بمعنى الطاعة واتباع الأوامر ، وهذا بنفسه يعتبر نوعاً من العبادة . ثم يذكّره وينبّهه مرّة أخرى بعواقب الشرك وعبادة الأصنام المشؤومة ، ويقول : « يَا أَبَتِ إِنّى أَخَافُ أَن يَمَسَّكَ عَذَابٌ مِّنَ الرَّحْمنِ فَتَكُونَ لِلشَّيْطنِ وَلِيًّا » . إنّ تعبير إبراهيم هذا رائع جدّاً ، فهو من جانب يخاطب عمّه دائماً ب « يَا أَبَتِ » وهذا يدل على الأدب واحترام المخاطب ، ومن جانب آخر فإنّ قوله « أَن يَمَسَّكَ » توحي بأنّ
مختصر الامثل — صفحة 184 | الشيخ ناصر مكارم الشيرازي