لعمله ، وفي نفس الوقت لم يلتفت إلى ما هو فيه ، فيكرّر العمل . الآيات الأخرى تذكر صفات ومعتقدات هذه المجموعة من الخاسرين ، حيث تبدأ بتلك الصفات التي تكون أساساً في مصائبهم فتقول : « أُولئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بَايَاتِ رَبّهِمْ » .
إنّهم كفروا بالآيات التي تفتح الأبصار والمسامع ، الآيات التي ترفع حجب الغرور وتجسّد الحقائق أمام الإنسان ، وأخيراً فإنّها آيات النور والضياء التي تخرج الإنسان من ظلمات الأوهام والتصورات الخاطئة وترشده إلى عالم الحقائق .
ثم إنّهم بعد ذلك نسوا اللَّه وكفروا بالمعاد وبلقاء اللَّه « وَلِقَائِهِ » .
يعني أنّ الإنسان في يوم القيامة يشاهد آثار الخالق أكثر وأفضل من أي زمان ، لذا فإنّه ينظر إليه بوضوح ، بعين القلب الواعي البصير .
نعم ، فما لم يكن الإيمان بالمعاد إلى جانب الإيمان بالمبدأ ، وما لم يحس الإنسان بأنّ هناك قوة تراقب أعماله فإنّ الإنسان سوف لا يعير أهمّية إلى أعماله وسوف لا يصلح نفسه .
ثم تضيف الآية أنّهم بسبب من كفرهم بالمبدأ والمعاد فإنّ أعمالهم قد حبطت وضاعت :
« فَحَبِطَتْ أَعْملُهُمْ » . وغدت تماماً كالرماد في مقابل العاصفة الهوجاء .
ولأنّهم لا يملكون عملًا قيّماً ثميناً لذا : « فَلَا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيمَةِ وَزْنًا » .
لأنّ الوزن يخصّ الأمور الموجودة ، أمّا هؤلاء فلا يملكون شيئاً من الأعمال ، ولذلك ليس لهم وزن ولا قيمة . روي في تفسير مجمع البيان أنّ النبي صلى الله عليه وآله قال : « إنّه ليأتي الرجل العظيم السمين يوم القيامة لا يزن جناح بعوضة » .
لماذا ؟ لأنّ أعمال مثل هؤلاء وأفكارهم وشخصيتهم كانت في الحياة الدنيا عديمة الأهمية والفائدة .
وفي إطار بيان جزاء هؤلاء ، تكشف الآية عن ثالث سبب في انحراف وخسران هؤلاء ، وهو الاستهزاء بما أنزل اللَّه ، فتقول : « ذلِكَ جَزَاؤُهُمْ جَهَنَّمُ بِمَا كَفَرُوا وَاتَّخَذُوا ءَايتِى وَرُسُلِى هُزُوًا » .
وبذلك فإنّ هؤلاء انتهوا إلى إنكار الأصول الأساسية الثلاثة في الإعتقاد الديني ( المبدأ ، والمعاد ، ورسالة الأنبياء ) والأكثر من الإنكار أنّهم استهزؤوا بهذه الأمور .
والآن بعد أن عرفنا علامات الكفار والأخسرين أعمالًا ، وبعد أن انكشفت عاقبة أعمالهم ، تتوجّه الآيات إلى المؤمنين فتبيّن عاقبتهم ، وبمقايسة بين الاثنين نستطيع تشخيص
مختصر الامثل — صفحة 166
مساهمون: الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
ص١٦٦