تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مختصر الامثل — صفحة 534

مساهمون:

ص٥٣٤
نعم « وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَرُّونَ » . وبما أنّ أحد أفضل الطرق لتوضيح المسائل هو الاستفادة من طريق المقابلة والمقايسة ، فقد جعلت النقطة المقابلة للشجرة الطيبة ، الشجرة الخبيثة « وَمَثَلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ اجْتُثَّتْ مِن فَوْقِ الْأَرْضِ مَا لَهَا مِن قَرَارٍ » . والكلمة « الخبيثة » هي كلمة الكفر والشرك ، وهي القول السيء والرديء ، وهي البرنامج الضال والمنحرف ، والناس الخبثاء ، والخلاصة : هي كل خبيث ونجس . ومن الطريف أنّ القرآن الكريم فصّل الحديث في وصف الشجرة الطيّبة بينما اكتفى في وصف الشجرة الخبيثة بجملة قصيرة واحدة « اجْتُثَّتْ مِن فَوْقِ الْأَرْضِ مَا لَهَا مِن قَرَارٍ » . وهذا نوع من لطافة البيان أن يتابع الإنسان جميع خصوصيات ذكر « المحبوب » بينما يمرّ بسرعة في جملة واحدة بذكر « المبغوض » . وبما أنّ الآيات السابقة جسّدت حال الإيمان والكفر ، الطيب والخبيث من خلال مثالين صريحين ، فإنّ الآية الأخيرة تبحث نتيجة عملهم ومصيرهم النهائي ، يقول تعالى : « يُثَبّتُ اللَّهُ الَّذِينَ ءَامَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِى الحَيَوةِ الدُّنْيَا وفِى الْأَخِرَةِ » . لأنّ إيمانهم لم يكن إيماناً سطحياً وشخصيتهم لم تكن كاذبة ومتلوّنة . فهنا يثبّتون بالإيمان ويبرؤون من الذنوب ، وهناك يُخلدون في النعيم المقيم . ثم يشير إلى النقطة المقابلة لهم : « وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ » . قلنا مراراً : إنّ الهداية والضلال التي تنسب إلى اللَّه عزّ وجلّ لا تتحققان إلّابأن يرفع الإنسان القدم الأوّل لها ، فاللَّه عزّ وجلّ عندما يسلب المواهب والنعم من العبد أو يمنحها له يكون ذلك بسبب استحقاقه أو عدم استحقاقه . أَ لَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَةَ اللَّهِ كُفْراً وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دَارَ الْبَوَارِ ( 28 ) جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَهَا وَبِئْسَ الْقَرَارُ ( 29 ) وَجَعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَاداً لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِهِ قُلْ تَمَتَّعُوا فَإِنَّ مَصِيرَكُمْ إِلَى النَّارِ ( 30 ) نهاية كفران النعم : الخطاب في هذه الآيات موجّه للرسول صلى الله عليه وآله وهو في الحقيقة عرض لواحد من موارد « الشجرة الخبيثة » . يقول تعالى أوّلًا : « أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللَّهِ
مختصر الامثل — صفحة 534 | الشيخ ناصر مكارم الشيرازي