تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مختصر الامثل — صفحة 522

مساهمون:

ص٥٢٢
وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ فَيُضِلُّ اللَّهُ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ( 4 ) وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِآيَاتِنَا أَنْ أَخْرِجْ قَوْمَكَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَذَكِّرْهُمْ بِأَيَّامِ اللَّهِ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَاتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ ( 5 ) وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ أَنْجَاكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ وَيُذَبِّحُونَ أَبْنَاءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ وَفِي ذلِكُمْ بَلَاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ ( 6 ) وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ ( 7 ) كان الحديث في الآيات السابقة عن القرآن الكريم وآثاره الروحية ، وتتابع الآية الأولى من هذه المجموعة نفس الموضوع ، لكن في بُعد خاص وهو أنّ دعوة الأنبياء وكتبهم السماوية نزلت بلسان أقوامهم الذين بُعِثوا إليهم . يقول تعالى : « وَمَا أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ » . لأنّ الأنبياء يرتبطون في الدرجة الأولى مع قومهم ، وأوّل نور الوحي يشعّ من بينهم ، وأوّل الصحابة والأنصار يُنتخبون منهم ، لذلك فإنّ الرسول يجب أن يحدّثهم بلغتهم وبلسانهم « لِيُبَيّنَ لَهُمْ » . إنّ دعوة الأنبياء كانت توضّح لهم من خلال التبيين والتعليم والتربية وبلسانهم الرائج لا من خلال أثر مرموز وغير معروف في قلوب . ثم يضيف القرآن الكريم بعد أن بيّن لهم الدعوة الإلهية : « فَيُضِلُّ اللَّهُ مَن يَشَاءُ وَيَهْدِى مَن يَشَاءُ » . فليست الهداية والضلال من عمل الأنبياء ، بل عملهم الإبلاغ والتبيين ، اللَّه سبحانه وتعالى هو الموجّه والهادي الحقيقي لعباده . ولكي لا يتصور أحد أنّ هذا القول بمعنى الجبر وسلب الحريّات ، فيضيف القرآن مباشرة : « وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ » . وبمقتضى عزته وقدرته فإنّه قادر على كل شيء ، ولكن بمقتضى حكمته لا يهدي ولا يضلّ أحداً بدون سبب ودليل ، بل الخطوة الأولى تبدأ من قبل العباد وبكامل الحرية في السير إلى اللَّه ، ثم يشعّ نور الهداية وفيض الحق في قلوبهم ، كما في
مختصر الامثل — صفحة 522 | الشيخ ناصر مكارم الشيرازي