تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مختصر الامثل — صفحة 508

مساهمون:

ص٥٠٨
المفسدون في الأرض : بعد ما ذكرت الآيات السابقة صفات أولى الألباب ودعاة الحق ، أشارت هذه الآيات إلى قسم من الصفات الأصلية للمفسدين الذين فقدوا حظّهم من العلم والمعرفة حيث يقول جلّ وعلا : « وَالَّذِينَ يَنقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِن بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَن يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِى الْأَرْضِ أُولئِكَ لَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ » « 1 » . في الحقيقة يتلخص فساد عقيدتهم في الجمل الثلاث الآتية : 1 - نقض العهود الإلهية : وتشمل المواثيق الفطرية والعقلية والتشريعية . 2 - قطع الصلات : وتشمل الصلة مع اللَّه والرسل والناس ومع أنفسهم . 3 - الإفساد في الأرض : وهو نتيجة حتمية لنقض العهود وقطع الصلات . قوله تعالى : « اللَّهُ يَبْسُطُ الرّزْقَ لِمَن يَشَاءُ وَيَقْدِرُ » . وهذه إشارة لُاولئك الذين يسعون للحصول على دخل أكثر فهم يفسدون في الأرض وينقضون عهد اللَّه ويقطعون ما أمر اللَّه به أن يوصل لكي يزيدوا من دخلهم المادي ، وهم غافلون عن هذه الحقيقة وهي أنّ الرزق - في زيادته ونقصه - بيد اللَّه سبحانه وتعالى . ثم تضيف الآية : « وَفَرِحُوا بِالْحَيَوةِ الدُّنْيَا وَمَا الْحَيَوةُ الدُّنْيَا فِى الْأَخِرَةِ إِلَّا مَتَاعٌ » . ألا بذكر اللَّه تطمئنّ القلوب : في سورة الرعد بحوث كثيرة حول التوحيد والمعاد والنبوة ، فالآية الأولى من هذه المجموعة تبحث مرّةً أخرى في دعوة الرسول صلى الله عليه وآله وتبيّن واحداً من أعذار المشركين المعاندين حيث يقول تعالى : « وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلَا أُنِزلَ عَلَيْهِ ءَايَةٌ مّن رَّبّهِ » . إنّ هؤلاء يتوقّعون من النبي أن يجلس في زاوية الدار ويُظهر لكل واحد منهم المعجزة التي يقترحها ، فإن لم تعجبهم لم يؤمنوا بها . ويجيبهم القرآن الكريم حيث يقول : « قُلْ إِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَن يَشَاءُ وَيَهْدِى إِلَيْهِ مَنْ أَنَابَ » . وهذه إشارة إلى أنّ العيب ليس من ناحية الإعجاز ، لأنّ الأنبياء قد أظهروا كثيراً من
هامش
( 1 ) « اللعن » : بمعنى الطرد مع الغضب ، واللعن في الآخرة تشير إلى العقوبة وفي الدنيا الابتعاد من رحمة اللَّه .
مختصر الامثل — صفحة 508 | الشيخ ناصر مكارم الشيرازي