تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مختصر الامثل — صفحة 501

مساهمون:

ص٥٠١
وَطَمَعًا » . فالبرق بشعاعه يبهر العيون من جانب ، ومن جانب آخر فإنّه يسبّب هطول الأمطار ويروي ظمأ الصحراء ويسقي المزروعات فيطمع فيه الناس ، وبين هذا الخوف والرجاء تمرّ عليهم لحظات حساسة ثم تضيف الآية : « وَيُنشِئُ الْسَّحَابَ الْثّقَالَ » القادرة على إرواء ظمأ الأراضي الزراعية . الآية الأخرى تشير إلى صوت الرعد الذي يتزامن مع البرق « وَيُسَبّحُ الرَّعْدُ بِحَمْدِهِ » . نعم ، فهذا الصوت المدوّي في عالم الطبيعة يُضرب به المثل ، فهو مع البرق في خدمة هدف واحد ، ويقومان بعملية التسبيح ، وبعبارة أخرى فالرعد لسان حال البرق يحكي عن عظمة الخالق وعن نظام التكوين . وليس الرعد وسائر أجزاء العالم تسبّح بحمده تعالى ، بل حتى الملائكة « وَالْمَلِكَةُ مِنْ خِيفَتِهِ » . فهم يخافون من تقصيرهم في تنفيذ الأوامر الملقاة على عاتقهم ، وبالتالي فهم يخشون العقاب الإلهي ، ونحن نعلم أنّ الخوف يُصيب أولئك الذين يحسّون بمسؤولياتهم ووظائفهم . . . خوف بنّاء يحثّ الشخص على السعي والحركة . وللتوضيح أكثر في مجال البرق والرعد تشير الآية إلى الصاعقة : « وَيُرْسِلُ الصَّوَاعِقَ فَيُصِيبُ بِهَا مَن يَشَاءُ » . ومع كل ذلك - وبمشاهدة آيات العظمة الإلهية في عالم التكوين من السماء والأرض والنباتات والأشجار والبرق والرعد وأمثالها ، وفي قدرة الإنسان الحقيرة تجاه هذه الحوادث ، حتى في مقابل واحدة منها مثل شرارة البرق - نرى أنّ هناك جماعة جاهلة تجادل في اللَّه « وَهُمْ يُجَادِلُونَ فِى اللَّهِ وَهُوَ شَدِيدُ الْمِحَالِ » . « المحال » : في الأصل « الحيلة » بمعنى التدبير السرّي وغير الظاهر ، فالذي له القدرة على هذا التدبير يمتلك العلم والحكمة العالية ، ولهذا السبب يستطيع أن ينتصر على أعدائه ولا يمكن الفرار من حكومته . الآية الأخيرة تشير إلى مطلبين : الأوّل : قوله تعالى : « لَهُ دَعْوَةُ الْحَقّ » . فهو يستجيب لدعواتنا ، وهو عالم بدعاء العباد وقادر على قضاء حوائجهم ، ولهذا السبب يكون دعاؤنا إيّاه وطلبنا منه حقاً ، وليس باطلًا . ولكن دعاء الأصنام باطل « وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِهِ لَايَسْتَجِيبُونَ لَهُمْ بِشَىْءٍ » . ولتصوير هذا الموضوع يضرب لنا القرآن الكريم مثالًا حيّاً ورائعاً يقول : « إِلَّا كَبَاسِطِ كَفَّيْهِ إِلَى الْمَاءِ لِيَبْلُغَ فَاهُ وَمَا هُوَ بِبَالِغِهِ » . فهل يستطيع أحد أن يجلس على بئر ويطلب الماء بإشارة يدٍ ليبلغ الماء فاه ؟ هذا العمل لا يصدر إلّامن إنسان مجنون .
مختصر الامثل — صفحة 501 | الشيخ ناصر مكارم الشيرازي