تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مختصر الامثل — صفحة 465

مساهمون:

ص٤٦٥
يوسف أميناً على خزائن مصر : رأينا أنّ يوسف - هذا النبي العظيم - ثبتت براءته أخيراً للجميع ، وحتى الأعداء شهدوا بطهارته ونزاهته ، وظهر لهم أنّ الذنب الوحيد الذي أودع من أجله السجن لم يكن غير التقوى والأمانة التي كان يتحلّى بهما . إضافةً إلى هذا فقد ثبت لهم أنّ هذا السجين منهل العلم والمعرفة والنباهة وطاقة فذّة وعالية في الإدارة . ثم يستمر القرآن بذكر القصة فيقول : « وَقَالَ الْمَلِكُ ائْتُونِى بِهِ أَسْتَخْلِصْهُ لِنَفْسِى » وهكذا أمر الملك باحضاره لكي يجعله مستشاره الخاص ونائبه في المهمّات فيستفيد من علمه ومعرفته وخبرته لحلّ المشاكل المستعصية . ثم أرسل الملك مندوباً لزيارته في السجن ، فدخل عليه وأبلغه تحيات الملك وعواطفه القلبية تجاهه ثم قال له : إنّه قد لبّى طلبك في البحث والتحقيق عن نساء مصر وإتهامهن إيّاك ، قم لنذهب إلى الملك . فدخل يوسف على الملك وتكلّم معه فعندما سمع من يوسف الأجوبة التي تحكي عن علمه وفراسته وذكائه الحادّ ، ازداد حبّاً له وقال : إنّ لك اليوم عندنا منزلة رفيعة وسلطات واسعة وإنّك في موضع ثقتنا وإعتمادنا « فَلَمَّا كَلَّمَهُ قَالَ إِنَّكَ اليَوْمَ لَدَيْنَا مَكِينٌ أَمِينٌ » فلابدّ أن تتصدّى للمناصب الهامّة في هذا البلد ، وتهتمّ بإصلاح الأمور الفاسدة . فاختار يوسف منصب الأمانة على خزائن مصر ، وقال إجعلني مشرفاً على خزائن هذا البلد فإنّي حفيظ عليم وعلى معرفة تامّة بأسرار المهنة وخصائصها « قَالَ اجْعَلْنِى عَلَى خَزَائِنِ الْأَرْضِ إِنّى حَفِيظٌ عَلِيمٌ » . كان يوسف يعلم أنّ جانباً كبيراً من الاضطراب الحاصل في ذلك المجتمع الكبير الملئ بالظلم والجور يكمن في القضايا الاقتصادية ، والآن وبعد أن عجزت أجهزة الحكم من حلّ تلك المشاكل واضطرّوا لطلب المساعدة منه ، فمن الأفضل له أن يسيطر على اقتصاد مصر حتى يتمكن من مساعدة المستضعفين وأن يخفّف عنهم - قدر ما يستطيع - الآلام والمصاعب ويستردّ حقوقهم من الظالمين . وهنا نقطة أخرى يجب التنبيه عليها وهي إنّنا نلاحظ أنّ يوسف عليه السلام يخاطب الملك ويقول له : « إِنّى حَفِيظٌ عَلِيمٌ » وهذه إشارة إلى أهمية عنصر الإدارة إلى جانب عنصر الأمانة وأنّ توفّر عنصر الأمانة والتقوى فقط في شخص لا يؤهّله لأن يتصدّى لأحد
مختصر الامثل — صفحة 465 | الشيخ ناصر مكارم الشيرازي