تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مختصر الامثل — صفحة 403

مساهمون:

ص٤٠٣
هاتان الصفتان تتجليان في الطواغيت والمستكبرين في كل عصر وزمان ، الذين لا يستمعون لكلام الحق أبداً ويعمدون إلى من يخالفهم بانزال أشد أنواع العقاب به بلا رحمة . وفي الآية الأخيرة التي تنتهي بها قصة « هود » وقومه « عاد » بيان لنتيجة أعمالهم السيئة والباطلة حيث تقول الآية : « وَأُتْبِعُوا فِى هذِهِ الدُّنْيَالَعْنَةً » وبعدالموت لا يبقى إلّاخزيهم والصيت السيء « وَيَوْمَ الْقِيمَةِ » يقال لهم : « أَلَا إِنَّ عَادًا كَفَرُوا رَبَّهُمْ أَلَا بُعْدًا لِّعَادٍ قَوْمِ هُودٍ » . وكان يكفي تعريف هذه الجماعة بلفظ « عاد » ولكن بعد ذكر عاد جاء لفظ « قوم هود » أيضاً لتؤكّد عليهم أوّلًا ، ولتشير إلى أنّهم القوم الذين آذوا نبيّهم الناصح لهم ثانياً ، ولذلك فقد أبعدهم اللَّه عن رحمته . وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحاً قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ هُوَ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا فَاسْتَغْفِرُوهُ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّي قَرِيبٌ مُجِيبٌ ( 61 ) قصة ثمود : انتهت قصة عاد ، قوم هود ، بجميع دروسها بشكل مضغوط ، وجاء الدور الآن لثمود « قوم صالح » وهم الذين عاشوا في وادي القرى بين المدينة والشام ، حسب ما تنقله التواريخ عنهم . ونرى هنا أيضاً أنّ القرآن حين يتحدث عن نبيّهم « صالح » يذكره على أنّه أخوهم ، وأيّ تعبير أروع وأجمل منه حيث بيّنا قسماً من محتواه في الآيات المتقدمة ، أخ محترق القلب ودود مشفق ليس له هدف إلّاالخير لجماعته « وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صلِحًا » . ونجد أيضاً أنّ منهج الأنبياء جميعاً يبدأ بمنهج التوحيد ونفي أي نوع من أنواع الشرك وعبادة الأوثان التي هي أساس جميع المتاعب « قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَالَكُم مِّنْ إِلهٍ غَيْرُهُ » . ولكي يحرك إحساسهم بمعرفة الحق أشار إلى عدد من نعم اللَّه المهمة التي استوعبت جميع وجودهم فقال : « هُوَ أَنْشَأَكُم مِّنَ الْأَرْضِ » . ثمّ يُذكّر هؤلاء المعاندين بعد أن أشار إلى نعمة الخلقة بنعم أخرى موجودة في الأرض حيث قال : « وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا » . الطريف هنا أنّ القرآن لم يقل : إنّ اللَّه عمر الأرض وجعلها تحت تصرفكم ، وإنّما قال : وفوّض إليكم إعمار الأرض « وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا » وهي إشارة إلى أنّ الوسائل معدّة فيها لكل شيء وعليكم إعمارها بالعمل والسعي المتواصل والسيطرة على مصادر الخيرات فيها . وبدون ذلك لا حظّ لكم في الحياة الكريمة . فإذا كان الأمر كذلك : « فَاسْتَغْفِرُوهُ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ إِنَّ رَبّى قَرِيبٌ مُّجِيبٌ » لدعواتكم .
مختصر الامثل — صفحة 403 | الشيخ ناصر مكارم الشيرازي