هذه الآية تواصل ما بحثته الآية السابقة ، وتأمر رسول اللَّه صلى الله عليه وآله أن يدع أولئك الذين يستهينون بأمر دينهم ، ويتخذون ممّا يلهون ويلعبون به مذهباً لهم ويغترون بالدنيا وبمتاعها المادي : « وَذَرِ الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهُمْ لَعِبًا وَلَهْوًا وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَوةُ الدُّنْيَا » .
وتشير هذه الآية إلى أنّ سلوكهم الحياتي من حيث المحتوى أجوف وواه .
إنّ « دينهم » يعني « دين الشرك وعبادة الأصنام » الذي كانوا يدينون به . فالآية لا تخصّ الكفار وحدهم ، بل هي تشمل جميع الذين يتخذون من الأحكام الإلهية ومن المقدسات وسائل للتلهي وملء الفراغ وبلوغ الأهداف المادية الشخصية ، أولئك الذين يجعلون الدين آلة الدنيا ، والأحكام الإلهية ألعوبة أغراضهم الخاصة .
ثم يؤمر رسول اللَّه صلى الله عليه وآله أن ينبّههم إلى أعمالهم هذه وإلى أنّ هناك يوماً لابدّ لهم أن يستسلموا فيه لنتائج أعمالهم ولن يجدوا من ذلك مفرّاً : « وَذَكّرْ بِهِ أَن تُبْسَلَ نَفْسٌ بِمَا كَسَبَتْ » « 1 » .
يوم لا شفيع ينفع ولا ولي سوى اللَّه : « لَيْسَ لَهَا مِن دُونِ اللَّهِ وَلِىٌّ وَلَا شَفِيعٌ » .
إنّهم يومئذ في حال صعبة مؤلمة يرزحون في قيود أعمالهم بحيث إنّهم يرتضون أن يدفعوا أيّة غرامة ( إن كان عندهم ما يدفعونه ) ولكنّها لن تقبل منهم : « وَإِن تَعْدِلْ كُلَّ عَدْلٍ لَّايُؤْخَذْ مِنْهَا » « 2 » .
ذلك لأنّهم يكونون بين مخالب أعمالهم ، ولا فدية تنجيهم ، ولا توبة تنفعهم بعد أن فات الأوان : « أُولئِكَ الَّذِينَ أُبْسِلُوا بِمَا كَسَبُوا » .
ثم يشار إلى جانب ممّا سيصيبهم من العذاب الأليم بسبب إعراضهم عن الحق والحقيقة :
« لَهُمْ شَرَابٌ مِن حَمِيمٍ وَعَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْفُرُونَ » .
إنّهم يتعذّبون بالماء الحريق من الداخل ، ويكتوون بنار الجحيم .
إنّ جملة « أُولئِكَ الَّذِينَ أُبْسِلُوا بِمَا كَسَبُوا » هي بمثابة السبب الذي يمنع من قبول الغرامة ومن قبول أيّ شفيع وولي ، أي إنّ عقابهم ليس لعلّة خارجية بحيث يمكن دفعها بشكل من
هامش
( 1 ) « البسل » : هو حفظ الشيء ومنعه بالقوّة والقهر ، والإبسال حمل المرء على التسليم ، كما تطلق الكلمة على الحرمان من الثواب ، أو أخذ الرهائن ، والجيش الباسل بمعنى القاهر الذي يحمل العدو على التسليم ، والمعنى في الآية هو تسليم المرء وخضوعه لأعماله السيئة .
( 2 ) « العدل » : بمعنى « المعادل » وهو ما يدفع جزاءاً وغرامة لقاء التحرر ، وهو أشبه في الواقع بما يفتدى به .