تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مختصر الامثل — صفحة 318

مساهمون:

ص٣١٨
ثم تؤكّد مرّة أخرى على أنّ اللَّه سبحانه قد تاب عليهم ، فتقول : « ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ إِنَّهُ بِهِمْ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ » . ولم تشمل الرحمة الإلهية هذا القسم الكبير الذي شارك في الجهاد فقط ، بل شملت حتى الثلاثة الذين تخلفوا عن القتال ومشاركة المجاهدين في ساحة الجهاد : « وَعَلَى الثَّلثَةِ الَّذِينَ خُلّفُوا » . إلّا أنّ اللطف الإلهي لم يشمل هؤلاء المتخلفين بهذه السهولة ، بل عندما عاش هؤلاء - وهم كعب بن مالك ومرارة بن ربيع وهلال بن أمية ، الذين مرّ شرح حالهم في سبب النزول - مقاطعةً اجتماعية شديدة ، وقاطعهم كل الناس بالصورة التي تصورها الآية ، فتقول : « حَتَّى إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ » . بل إنّ صدور هؤلاء امتلأت همّاً وغمّاً بحيث ظنوا أن لامكان لهم في الوجود ، فكأنّه ضاق عليهم « وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنفُسُهُمْ » فابتعد أحدهم عن الآخر وقطعوا العلاقة فيما بينهم . عند ذلك رأوا كل الأبواب مغلقة بوجوههم فأيقنوا « وَظَنُّوا أَن لَّامَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إِلَّا إِلَيْهِ » فأدركتهم رحمة اللَّه مرّة أخرى ، وسهلت ويسّرت عليهم أمر التوبة الحقيقية ، والرجوع إلى طريق الصواب ليتوبوا : « ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ » . يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ ( 119 ) كونوا مع الصادقين : في الآيات السابقة كان الحديث حول جماعة من المتخلفين الذين نقضوا عهدهم مع اللَّه ورسوله ، أمّا هذه الآية فقد أشارت إلى النقطة المقابلة لهؤلاء ، فهي تأمر بتحكيم الروابط مع الصادقين الذين حافظوا على عهدهم وثبتوا عليه . في البداية تقول الآية : « يَا أَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ » . ولأجل أن يستطيعوا سلوك طريق التقوى الملئ بالمنعطفات والاخطار بدون اشتباه وانحراف أضافت : « وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ » . والصادقين هم الذين يؤدون تعهداتهم أمام الإيمان باللَّه على أحسن وجه دون أي تردد أو تماهل ولا يخافون سيل المصاعب والعقبات ، بل يُثبتون صدق إيمانهم بأنواع الفداء والتضحية . ولا شك أنّ لهذه الصفات درجات ، فقد يكون البعض في قمّتها ، وهم الذين نسمّيهم بالمعصومين ، والبعض في درجات أقل وأدنى منها .