تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مختصر الامثل — صفحة 234

مساهمون:

ص٢٣٤
إنّ هذا الشعار الإسلامي الكبير : « وَأَعِدُّوا لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مّن قُوَّةٍ » إذا أضحى شعاراً شاملًا في كل مكان ، ينادي به الصغير والكبير ، والعالم وغير العالم ، والمؤلف والخطيب ، والجندي والضابط ، والفلاح والتاجر ، والتزموا به في حياتهم وطبقوه ، كان كافياً لجبران التخلف والتأخر . إنّ سيرة النبي صلى الله عليه وآله العملية وأئمة الإسلام تدل على أنّهم لم يدخروا وسعاً ، واستغلوا كل فرصة لمواجهة العدو ، كإعداد الجنود وتهيئة السلاح ، وشد الأزر ورفع المعنويات ، وبناء معسكرات التدريب ، واختيار الزمان المناسب للهجوم ، والعمل على استعمال مختلف الأساليب الحربية ، ولم يتركوا أية صغيرة ولا كبيرة في ذلك . والمعروف أنّ النبي بلغه أن سلاحاً جديداً مؤثراً صنع في اليمن أيام معركة حنين ، فأرسل النبي جماعة إلى اليمن لشرائه فوراً . الهدف من تهيئة السلاح وزيادة التعبئة العسكرية : ثم ينتقل القرآن بعد ذلك التعليم المهم إلى الهدف المنطقي والإنساني من وراء هذا الموضوع ، فيقول : إنّ الهدف منه ليس تزويد الناس في العالم أو في مجتمعكم بأنواع الأسلحة المدمرة التي تهدم المدن وتحرق الأخضر واليابس وليس الهدف منه استغلال أراضي الآخرين وممتلكاتهم ، وليس الهدف هو توسعة الاستعباد والاستعمار في العالم ، بل الهدف من ذلك هو « تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ » . لأنّ أكثر الأعداء لا يستمعون لكلمة الحق ولا يستجيبون لنداء المنطق والمبادئ الإنسانية ، ولا يفهمون غير منطق القوة . ثم تضيف الآية بأنّ المزيد من استعداداتكم العسكرية يخيف أعداء آخرين لا تعرفونهم فتقول : « وَءَاخَرِينَ مِن دُونِهِمْ لَاتَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ » . تتضمن الآية تعليماً لمسلمي اليوم أيضاً ، وهو أنّه لا ينبغي الاكتفاء بالاستعداد لأعداء الإسلام الذين تعرفونهم ، بل عليكم أن تنتبهو للأعداء الاحتماليين أو « بالقوة » وأن تتهيأوا حتى تكونوا في أعلى حدّ من القوّة والقدرة . وفي نهاية الآية إشارة إلى موضوع مهم آخر ، وهو أنّ الاستعداد العسكري وجمع الأسلحة والأجهزة الحربية ووسائل الدفاع المختلفة ، كل ذلك يحتاج إلى الدعم المالي اللازم له ، لذلك تأمر المسلمين بالتعاون الجماعي لتهيئة ذلك المال ، وأن ما يبذلونه في هذا الأمر فهو عطاء في سبيل اللَّه ، ولن ينقص منه شيء أبداً « وَمَا تُنفِقُوا مِن شَىْءٍ فِى سَبِيلِ اللَّهِ يُوَفَّ
مختصر الامثل — صفحة 234 | الشيخ ناصر مكارم الشيرازي