تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مختصر الامثل — صفحة 227

مساهمون:

ص٢٢٧
ولكن اللَّه جعلكم إزاء أمر مقدر ، وكما تقول الآية : « وَلكِن لِّيَقْضِىَ اللَّهُ أَمْرًا كَانَ مَفْعُولًا » . وليعرف الحق من الباطل في ظلال ذلك النصر غير المتوقع والمعجزة الباهرة و « لّيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَن بَيّنَةٍ وَيَحْيَى مَنْ حَىَّ عَن بَيّنَةٍ » . وتعقب الآية قائلةً : « وَإِنَّ اللَّهَ لَسَمِيعٌ عَلِيمٌ » . فقد سمع نداء استغاثاتكم ، وكان مطلعاً على نياتكم ، ولذلك أيّدكم بنصره على أعدائكم . وكان النبي صلى الله عليه وآله قد رأى في منامه من قبل أنّ قلة من المشركين تقاتل المسلمين ، وكانت هذه الرؤيا إشارة إلى النصر وبشارة به ، فقد رواه صلى الله عليه وآله للمسلمين فازدادت العزائم في الزحف نحو معركة بدر . والآية الثانية من الآيات محل البحث تشير إلى الحكمة من هذا الأمر ، والنعمة التي أولاها سبحانه وتعالى للمسلمين عن هذا الطريق ، فتقول : « إِذْ يُرِيكَهُمُ اللَّهُ فِى مَنَامِكَ قَلِيلًا وَلَوْ أَرَيكَهُمْ كَثِيرًا لَّفَشِلْتُمْ » . ولهبطت معنوياتكم ، ولم يقف الامر عند هذا الحدّ ، بل لأدّى ذلك إلى التنازع واختلاف الكلمة « وَلَتَنَازَعْتُمْ فِى الْأَمْرِ وِلكِنَّ اللَّهَ سَلَّمَ » وانقذ الأمر بواسطة الرؤيا التي أظهرت الوجه الباطني لجيش الأعداء ، ولأنّ اللَّه يعرف باطنكم « إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ » . وتُذكّر الآية الأخرى بمرحلة من مراحل معركة بدر تختلف عن سابقتها ، ففي هذه المرحلة وفي ظل خطاب النبي المؤثر فيهم والبشائر الربانية ، ورؤية حوادث حال التهيؤ للقتال - كنزول المطر لرفع العطش ولتكون الرمال الرخوة صالحة لساحة المعركة - تجددت بذلك المعنويات وكبر الأمل بالنصر وقويت عزائم القلوب ، حتى صاروا يرون الجيش المعادي وكأنّه صغير ضعيف لا حول ولا قوة له ، فتقول الآية المباركة : « وَإِذْ يُرِيكُمُوهُمْ إِذِ الْتَقَيْتُمْ فِى أَعْيُنِكُمْ قَلِيلًا » . أمّا العدو فإنّه لما كان يجهل معنويات المسلمين وظروفهم ، فكان ينظر إلى ظاهرهم فيراهم قليلًا جدّاً ، بل رآهم أقل مما هم عليه ، إذ تقول الآية في الصدد « وَيُقَلّلُكُمْ فِى أَعْيُنِهِمْ » . لهذا فإنّ الآية تعقب على ما سبق قائلة : « لِيَقْضِىَ اللَّهُ أَمْرًا كَانَ مَفْعُولًا » . فلم تنته هذه المعركة وحدها وفق سنة اللَّه فحسب ، بل إنّ إرادته نافذة فيكل شيء « وَإِلَى اللَّهِ تُرجَعُ الْأُمُورُ » .
مختصر الامثل — صفحة 227 | الشيخ ناصر مكارم الشيرازي