فهنا لابدّ أن يظهر موسى عليه السلام غضبه الشديد إذ العودة إلى الحق والصواب عسيرة في غير هذه الصورة . إنّ القرآن يستعرض ردّة فعل موسى الشديدة في قبال ذلك المشهد وفي تلك الأزمة ، إذ يقول : إنّ موسى ألقى ألواح التوراة التي كانت بيده ، وعمد إلى أخيه هارون وأخذ برأسه ولحيته وجرهما إلى ناحيته ساخطاً غاضباً .
وفي الحقيقة كان هذا الموقف يعكس - من جانب - حالة موسى عليه السلام النفسية ، وانزعاجه الشديد تجاه وثنية بني إسرائيل وانحرافهم ، ومن جانب آخر كان ذلك وسيلة مؤثرة لهزّ عقول بني إسرائيل الغافية ، والفاتهم إلى بشاعة عملهم .
ثم إنّ القرآن الكريم ذكر أنّ هارون قال - وهو يحاول استعطاف موسى وإثبات برائته في هذه المسألة - : يا بن أم هذه الجماعة الجاهلة جعلوني ضعيفاً إلى درجة أنّهم كادوا يقتلونني ، فإذن أنا بريء ، فلا تفعل بي ما سيكون موجباً لشماتة الأعداء بي ولا تجعلني في صف هؤلاء الظالمين « قَالَ ابْنَ أُمَّ إِنَّ الْقَوْمَ اسْتَضْعَفُونِى وَكَادُوا يَقْتُلُونَنِى فَلَا تُشْمِتْ بِىَ الْأَعْدَاءَ وَلَا تَجْعَلْنِى مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ » .
لقد هدأ غضب موسى عليه السلام بعض الشيء ، وتوجّه إلى اللَّه « قَالَ رَبّ اغْفِرْ لِى وَلِأَخِى وَأَدْخِلْنَا فِى رَحْمَتِكَ وَأَنتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ » .
إنّ طلب موسى عليه السلام العفو والمغفرة من اللَّه تعالى لنفسه ولأخيه ، لم يكن لذنب اقترفاه ، بل كان نوعاً من الخضوع للَّه ، والعودة إليه ، وإظهار النفرة من أعمال الوثنيين القبيحة ، وكذا لإعطاء درس عملي للجميع حتى يفكروا ويروا إذا كان موسى وأخوه - وهما لم يقترفا إنحرافاً - يطلبان من اللَّه العفو والمغفرة هكذا ، فالأجدر بالآخرين أن ينتبهوا ويحاسبوا أنفسهم ، ويتوجهوا إلى اللَّه ويسألوه العفو والمغفرة لذنوبهم . وقد فعل بنو إسرائيل هذا فعلًا - كما تفيد الآيتان السابقتان .
إِنَّ الَّذِينَ اتَّخَذُوا الْعِجْلَ سَيَنَالُهُمْ غَضَبٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَذِلَّةٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَكَذلِكَ نَجْزِي الْمُفْتَرِينَ ( 152 ) وَالَّذِينَ عَمِلُوا السَّيِّئَاتِ ثُمَّ تَابُوا مِنْ بَعْدِهَا وَآمَنُوا إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَحِيمٌ ( 153 ) وَلَمَّا سَكَتَ عَنْ مُوسَى الْغَضَبُ أَخَذَ الْأَلْوَاحَ وَفِي نُسْخَتِهَا هُدًى وَرَحْمَةٌ لِلَّذِينَ هُمْ لِرَبِّهِمْ يَرْهَبُونَ ( 154 )
مختصر الامثل — صفحة 174
مساهمون: الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
ص١٧٤