الْمَاءِ أَوْ مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ » . فهم يطلبون أن يجودوا عليهم بشيء من الماء أو من نِعم الجنة .
ولكن أهل الجنة يبادرون إلى رفض هذا المطلب « قَالُوا إِنَّ اللَّهَ حَرَّمَهُمَا عَلَى الْكَافِرِينَ » .
بحثان
1 - إنّ عبارة « مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ » التي هي عبارة مجملة ، وتتسم بالإبهام ، تفيد أنّه حتى أهل النار لا يمكنهم أن يعرفوا بشيء من حقيقة النعم الموجودة في الجنة وأنواعها . وهذا الموضوع يتفق وينسجم مع بعض الأحاديث التي تقول : ( إنّ في الجنة ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ، ولا خطر على قلب بشر ) .
ثمّ إنّ عطف الجملة ب « أو » يشير إلى أنّ النعم الأخروية الأخرى وخاصة الفواكه يمكنها أن تحلّ محل الماء وتطفيء عطش الإنسان .
2 - إنّ عبارة « حَرَّمَهُمَا عَلَى الْكَافِرِينَ » إشارة إلى أنّ أهل الجنة بأنفسهم ، ليسوا هم الذين يمتنعون عن إعطاء شيء من هذه النعم لأهل النار ، لأنّه لا يقلّ منها شيء بسبب الإعطاء ، ولا أنّهم يحملون حقداً أو ضغينة على أحد في صدورهم ، حتى بالنسبة إلى أعدائهم ، ولكن وضع أهل النار بشكل لا يسمح لهم أن يستفيدوا من نعم الجنة .
إنّ هذا الحرمان نوع من « الحرمان التكويني » مثل حرمان كثير من المرضى من الأطعمة اللذيذة المتنوعة .
في الآية اللاحقة يبيّن سبب حرمانهم ، بذكر صفات أهل النار وأنّ أهل هذا المصير الأسود هم الذين أوقعوا أنفسهم فيه فيقول أوّلًا : إنّ هؤلاء هم الذين اتخذوا دينهم لعباً « الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهُمْ لَهْوًا وَلَعِبًا » .
وهذا إلى جانب أنّهم خدعتهم الدنيا واغتروا بها « وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَوةُ الدُّنْيَا » .
إنّ هذه الأمور سببت في أن يغرقوا في وحل الشهوات ، وينسوا كل شيء حتى الآخرة ، وينكروا أقوال الأنبياء ، ويكذبوا بالآيات الإلهية ، ولهذا أضاف قائلًا : « فَالْيَوْمَ نَنسَاهُمْ كَمَا نَسُوا لِقَاءَ يَوْمِهِمْ هذَا وَمَا كَانُوا بَايَاتِنَا يَجْحَدُونَ » .
كما أنّه يستفاد من هذه الآية أنّ أوّل مرحلة من مراحل الانحراف والضلال ، هو أن لا يأخذ الإنسان قضاياه المصيرية بمأخِذ الجدّ ، بل يتعامل معها معاملة المتسلّي والهازل ، فتؤدّي به هذه الحالة إلى الكفر المطلق ، وإنكار جميع الحقائق .
مختصر الامثل — صفحة 126
مساهمون: الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
ص١٢٦