وساوس شيطانية في حُلل خَلّابة : تُبيّن هذه الآيات وتستعرض فصلًا آخر من قصة آدم ، فتقول أوّلًا : إنّ اللَّه سبحانه أمر آدم وزوجته حواء بأن يسكنا الجنة : « وَيَا ءَادَمُ اسْكُنْ أَنتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ » .
ويستفاد من هذه العبارة أنّ آدم وحواء لم يكونا في بدء الخلقة في الجنة . وفي هذه الأثناء صدر أوّل تكليف وأمر ونهي إلى آدم وحواء من جانب اللَّه تعالى ، بهذه الصورة : « فَكُلَا مِنْ حَيْثُ شِئْتُمَا وَلَا تَقْرَبَا هذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ » . أي إنّ الأكل من جميع أشجار هذه الجنة مباح لكما ، إلّاشجرة خاصه لا تقرباها ، وإلّا كنتما من الظالمين .
ثم إنّ الشيطان الذي طُرِد من رحمة اللَّه تعالى بسبب إحجامه عن السجود لآدم ، وكان قد صمّم على أن ينتقم لنفسه من آدم وبنيه ما أمكن .
بدأ بنزع لباس الطاعة والعبودية للَّه ، عنهما ، فأبدى عورتهما التي كانت مخبأة مستورة :
« فَوَسْوَسَ لَهُمَا الشَّيْطنُ لِيُبْدِىَ لَهُمَا مَا وُورِىَ عَنْهُمَا مِن سَوْءَاتِهِمَا » .
وللوصول إلى هذا الهدف رأى أنّ أفضل طريق هو أن يستغلّ حب الإنسان ورغبته الذاتية في التكامل والرقي والحياة الخالدة ، وليوفّر لهما عذراً يعتذران ويتوسلان به لتبرير مخالفتهما لأمر اللَّه ونهيه ، ولهذا قال لآدم وزوجته : « مَا نَهكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هذِهِ الشَّجَرَةِ إِلَّا أَن تَكُونَا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونَا مِنَ الْخَالِدِينَ » .
وبهذه الطريقة صوّر الأمر الإلهي في نظرهما بشكل آخر .
ولما سمع آدم هذا الكلام غرق في التفكير ولكن الشيطان - من أجل أن يحكم قبضته ويعمّق وسوسته في روح آدم وحواء - توسل بالأيمان المغلّظة للتدليل على أنّه يريد لهما الخير ! « وَقَاسَمَهُمَا إِنّى لَكُمَا لَمِنَ النَّاصِحِينَ » .
لم يكن آدم يمتلك تجربة كافية عن الحياة ، ولم يكن قد وقع في حبائل الشيطان وخدعه بعد ولم يعرف بكذبه وتضليله قبل هذا ، كما أنّه لم يكن في مقدوره أن يصدّق بأن يأتي بمثل هذه الأيمان المغلّظة كذباً ، ولهذا وقع في حبال الشيطان ، وسقط في ورطة المخالفة والعصيان للأوامر الإلهية ، كما يعبّر القرآن عن ذلك ويلخّصه في عبارة موجزة إذ يقول : « فَدَلهُمَا بِغُرُورٍ » « 1 » .
هامش
( 1 ) « دلّى » : من مادة التدلية وتعني إرسال الدلو في البئر بحبلٍ تدريجاً وهذه كناية لطيفة عن أنّ الشيطان أنزل بحبل مكره وخداعه آدم وزوجته من مقامهما الرفيع ، وأرسلهما إلى قعر بئر المشكلات والابتعاد عن الرحمة الإلهية .