المسوح وزهد في الدنيا ، فلما دخل رسول اللَّه أخبرته عائشة بذلك فخرج فنادى الصلاة جامعة فاجتمع الناس فصعد المنبر فحمد اللَّه وأثنى عليه ثم قال : « ما بال أقوام يحرمون أنفسهم الطيبات ألا إنّي أنام بالليل وأنكح وأفطر بالنهار فمن رغب عن سنتي فليس مني » .
فقاموا هؤلاء فقالوا : يا رسول اللَّه فقد حلفنا على ذلك فأنزل اللَّه تعالى عليه « لَايُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِى أَيْمَانِكُمْ . . . » الآية .
التّفسير
القسم وكفارته : في هذه الآية والآيات التالية لها مجموعة من الأحكام الإسلامية المهمة .
في الآية الأولى إشارة إلى قيام بعض المسلمين بتحريم بعض النعم الإلهية ، فنهاهم اللَّه عن ذلك قائلًا : « يَا أَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا لَاتُحَرّمُوا طَيّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ » .
فبذكر هذا الحكم يعلن الإسلام صراحة استنكار الرهبنة وهجر الدنيا كما يفعل المسيحيون والمرتاضون .
ثم لتوكيد هذا الأمر تنهى الآية عن تجاوز الحدود ، لأنّ اللَّه لا يحبّ الذين يفعلون ذلك :
« وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَايُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ » .
وفي الآية التي تليها نهي آخر للأمر ، إلّاأنّ الآية السابقة كان فيها نهي عن التحريم ، وفي هذه الآية أمر بالانتفاع المشروع من الهبات الإلهية ، فيقول : « وَكُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ حَللًا طَيّبًا » .
والشرط الوحيد لذلك هو الإعتدال والتقوى عند التمتع بتلك النعم : « وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِى أَنتُم بِهِ مُؤْمِنُونَ » . أي إنّ إيمانكم باللَّه يوجب عليكم احترام أوامره في التمتع وفي الإعتدال والتقوى .
والآية التي بعدها تتناول القسم الذي يقسم به الإنسان في حالة تحريم الحلال وفي غيره من الحالات بشكل عام ، ويمكن القول أنّ القسم نوعان :
فالأولى : هو القسم اللغو ، فيقول : « لَايُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِى أَيْمَانِكُمْ » .
والقسم الثاني : هو القَسَم الجاد الإرادي الذي قرره المرء بوعي منه ، هذا النوع من القسم هو الذي يعاقب عليه اللَّه إذا لم يف به الإنسان : « وَلكِن يُؤَاخِذُكُم بِمَا عَقَّدتُّمُ الْأَيْمَانَ » .
بديهي أنّ الجد وحده في القَسَم لا يكفي لصحته ، بل لابدّ أيضاً من صحة محتواه وأن
مختصر الامثل — صفحة 556
مساهمون: الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
ص٥٥٦