فلهذا استعملت في كل مورد يكون فيه نوع من الشدة ، مثل الامتحان الذي يقترن عادةً بالشدة ويتزامن مع المشكلات ، والعذاب أيضاً نوع آخر من الشدة ، وكذلك المكر والخديعة التي تُتّخذ عادةً بسبب أنواع الضغوط والشدائد ، وكذلك الشرك وإيجاد المانع في طريق إيمان الناس حيث يتضمن كل ذلك نوع من الشدة والضغط .
وأنّ عبادة الأوثان وما يتولد منها من أنواع الفساد الفردي والاجتماعي كانت سائدة في أرض مكة المكرمة حيث لوّثت بذلك الحرم الإلهي الآمن ، فكان فسادها أشد من القتل فلذلك تقول هذه الآية مورد البحث مخاطبةً المسلمين : لا ينبغي لكم ترك قتال المشركين خوفاً من سفك الدماء فإنّ عبادة الأوثان أشد من القتل .
ثم تشير الآية إلى مسألة أخرى في هذا الصدد فتقول : إنّ على المسلمين أن يحترموا المسجد الحرام دائماً وأبداً ، ولذلك لا ينبغي قتال الكفار عند المسجد الحرام ، إلّاأن يبدؤكم بالقتال « وَلَا تُقَاتِلُوهُمْ عِندَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ حَتَّى يُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ » .
« فَإِن قَاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ كَذلِكَ جَزَاءُ الْكَافِرِينَ » . لأنّهم عندما كسروا حرمة هذا الحرم الإلهي الآمن فلا معنى للسكوت حينئذ ويجب مقابلتهم بشدة لكي لا يسيئوا الاستفادة من قداسة الحرم واحترامه .
ولكن بما أنّ الإسلام في منهجه التربوي للناس يقرن دائماً الإنذار بالبشارة معاً ، والثواب والعقاب كذلك ، لكي يؤثر في المسلمين تأثيراً سليماً ، فلذلك فسح المجال في الآية التالية للعودة والتوبة فقال : « فَإِنِ انْتَهَوْا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ » .
الآية التالية تشير إلى هدف الجهاد في الإسلام وتقول : « وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَاتَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدّينُ لِلَّهِ » .
ثم تضيف : فإن ترك هؤلاء المشركون عقائدهم الباطلة وأعمالهم الفاسدة فلا تتعرضوا لهم « فَإِنِ انْتَهَوْا فَلَا عُدْوَانَ إِلَّا عَلَى الظَّالِمِينَ » .
وحسب الظاهر ذُكر في هذه الآية ثلاثة أهداف للجهاد وهي :
1 - إزالة الفتنة .
2 - محو الشرك وعبادة الأوثان .
3 - التصدّي للظلم والعدوان .
مسألة الجهاد في الإسلام : إنّ الحكّام الطواغيت والفراعنة وأمثالهم من النمروديين
مختصر الامثل — صفحة 153
مساهمون: الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
ص١٥٣