التّفسير
القرآن أمر في هذه الآية الكريمة بمقاتلة الذين يشهرون السلاح بوجه المسلمين . تقول الآية : « وَقَاتِلُوا فِى سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُم » .
عبارة « فِى سَبِيلِ اللَّهِ » توضّح الهدف الأساسي من الحرب في المفهوم الإسلامي ، فالحرب ليست للانتقام ولا للعلو في الأرض والتزعم ، ولا للاستيلاء على الأراضي ، ولا للحصول على الغنائم ، وهذا الهدف المقدس يضع بصماته على جميع أبعاد الحرب في الإسلام ويصبغ كيفيّة الحرب وكميّتها ونوع السلاح والتعامل مع الأسرى وأمثال ذلك بصبغة « في سبيل اللَّه » .
ثم توصي الآية الشريفة بضرورة رعاية العدالة حتى في ميدان القتال وفي مقابل الأعداء وتقول : « وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَايُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ » .
أجل ، فالحرب في الإسلام للَّهوفي سبيل اللَّه ، ولا يجوز أن يكون في سبيل اللَّه اعتداء ولا عدوان ، لذلك يوصي الإسلام برعاية كثير من الأصول الخلقية في الحرب ، وهو ما تفتقر إليه حروب عصرنا أشد الافتقار .
الإمام عليّ عليه السلام يقول لأفراد جيشه وذلك قبل شروع القتال في صفين : « لا تقاتلوهم حتى يبدؤوكم فإنّكم بحمد اللَّه على حجة ، وترككم إياهم حتى يبدؤوكم حجة أخرى لكم عليهم . فإذا كانت الهزيمة بإذن اللَّه فلا تقتلوا مدبراً ولا تُصيبوا مُعوراً ولا تجهزوا على جريح ، ولا تهيجوا النّساء بأذًى وإن شتمن أعراضكم وسببن أمراءكم » « 1 » .
في الآية التالية التي تعتبر مكملة للأمر الصادر في الآية السابقة تتحدث هذه الآية بصراحة أكثر وتقول : إنّ هؤلاء المشركين هم الذين أخرجوا المؤمنين من ديارهم وصبّوا عليهم ألوان الأذى والعذاب ، فيجب على المسلمين أن يقتلوهم أينما وجدوهم ، وأنّ هذا الحكم هو بمثابة دفاع عادل ومقابلة بالمثل ، لأنّهم قاتلوكم وأخرجوكم من مكة « وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ وَأَخْرِجُوهُمْ مِّنْ حَيْثُ أَخْرَجُوكُمْ » .
ثم يضيف اللَّه تعالى : « وَالفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ » .
« الفتنة » : من « فَتْن » تعني وضع الذهب في النار للكشف عن درجة جودته وإصالته ،
هامش
( 1 ) نهج البلاغة ، الرسالة 14 .