شقاء من العاصين ، فإن للعاصين درجات في عصيانهم ، والشقاوة أعظم تلك الدرجات إذ منها الكفر والشّرك ، والأشقى هو
الَّذِي يَصْلَى النَّارَ الْكُبْرى
أي يلزم أكبر ميزان جهنّم ويكون من وقودها وحطبها ويتلظّى بلظاها . وقيل إن النار الكبرى هي الطبقة السفلى من جهنّم كما عن الفرّاء
ثُمَّ لا يَمُوتُ
هذا الأشقى في نار جهنّم
وَلا يَحْيى
ولا يعيش ، وهذا يعني أنه لا يموت فيرتاح ، ولا يعيش حياة يهنأ بها ، بل يذوق أنواع العذاب ، والعياذ باللّه من ذلك .
[ سورة الأعلى ( 87 ) : الآيات 14 إلى 19 ]
قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى ( 14 ) وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى ( 15 ) بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَياةَ الدُّنْيا ( 16 ) وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقى ( 17 ) إِنَّ هذا لَفِي الصُّحُفِ الْأُولى ( 18 )
صُحُفِ إِبْراهِيمَ وَمُوسى ( 19 )
14 - آخر السورة -
قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ . . .
يعني فاز ونجح من طهر نفسه من الشّرك بتوحيد اللّه سبحانه وتعالى وقال : لا إله إلّا اللّه . وقيل :
تزكّى : أعطى زكاة ماله . وقيل أراد صدقة الفطرة وصلاة العيد كما عن أبي عبد اللّه عليه السلام
وكثيرين غيره . أمّا ذكر اللّه فقيل هو ذكره بقلبه عنه الصلاة ، ورجاء الثواب ، وخوف العقاب ، وقيل إن الصلاة هنا منها التكبير وقول : اللّه أكبر ، والحقيقة أنه قصد الصلاة بما فيها من خشوع وخشية ورجاء ، وقصد الصلوات الخمس المكتوبة ، ولذلك خاطب الكافرين الذين لم يؤمنوا ولا اعترفوا بها ولا أدّوها وشغلتهم ملاذّ الدنيا عنها فقال لهم :
بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَياةَ الدُّنْيا
أي تختارونها على الآخرة وتفضّلونها عليها ، وتشتغلون بها وتعمرونها ولا تتفكّرون بأمر الآخرة . وقيل إن الخطاب للعاصين والطائعين ، على السواء ليوبّخ العاصين وينبّه الطائعين ولذا قال مطمعا إياهم :
وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقى