لا بد وأن يكونوا معصومين من بدء تكليفهم والحال أنّ سوابقهم تقتضي خلاف ذلك حيث إنه لو لم تكن جهة مانعة لهم من هذه الأمور المذكورة التي صارت سببا لتفضيلهم من هذه الحيثيّة على العالمين إلّا قضيّة أولاد يعقوب معه ( ع ) ومع أخيهم يوسف عليه السلام لكفت في المنع لأنهم ما قصّروا في الخيانة والجناية والكذب والتهمة والأذيّة لأبيهم ولأخيهم ومع هذا فإن هؤلاء صار بعضهم نبيّا أو أبا للأنبياء ، فان بني إسرائيل منشأهم ومصدرهم أولاد يعقوب الذين كانوا أولاده عليه السلام بلا واسطة وقد اختارهم اللّه واجتباهم وفضّلهم على جميع الأمم . هذا ولكنّ الحقّ في المقام هو أن نجتاز هذا الكلام ونقول :
نحن لسنا بعالمين بأفعال اللّه بالنسبة للمصالح والحكم ، ونعترف بأن اللّه أعلم حيث يجعل رسالته .
17 -
وَآتَيْناهُمْ بَيِّناتٍ مِنَ الْأَمْرِ
. . . أي قرّرنا لهم دلائل وعلائم من أمر النبيّ الخاتم ونعوته في التوراة والإنجيل وعن ابن عباس يعني بيّن لهم من أمر النبي أنه يهاجر من تهامة إلى يثرب ويكون أنصاره أهل يثرب . . .
وكلّ هذه العلائم موجودة في التوراة والإنجيل ، والمشركون يقرءونها وينكرونها عنادا . أو المراد بيّنات من أمر دين الحق وهو الإسلام أو أمر التوحيد ويندرج فيها المعجزات
فَمَا اخْتَلَفُوا
في هذا الأمر
إِلَّا مِنْ بَعْدِ ما جاءَهُمُ الْعِلْمُ
والحاصل أن بني إسرائيل بعد إتيان البيّنات والبراهين السّاطعات في كتبهم عن مجيء النبيّ الخاتم ( ص ) كانوا متّفقين بأن يقبلوا نبوّته وكتابه ويصدّقوه فيما جاء به ، فما اختلفوا في هذا الأمر ، ولكنّهم بعد العلم بحقيقة الحال وأنّه مخالف لهم في دينهم ، ودينه ناسخ للأديان طرّا ورأوا أن الرئاسة قد تؤخذ منهم فاختلفوا
بَغْياً بَيْنَهُمْ
أي عداوة وحسدا للنبيّ صلّى اللّه عليه وآله . وهذا من أعجب العجب لأنّ حصول العلم موجب لارتفاع النّزاع والاختلاف ، وهاهنا صار سببا لحصول الخلاف ولكنّ جهته معلومة وذلك لأنهم لم يكن مقصودهم من العلم الهداية وإنما