تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الجديد في تفسير القرآن المجيد — صفحة 191

مساهمون:

ص١٩١
استماع ذكرها ووصفها ، وهذا أمر وجدانيّ لا يحتاج إلى إقامة برهان عليه . ولمّا كان المقصد الأصليّ في هذا المقام وعيد الكفار والمشركين فلذا أخّر وعد المؤمنين وقدّم وعيدهم ، هكذا قيل ولكن أقول في وجه التأخير واللّه تعالى أعلم : اظنّ أن يكون الوجه من باب تعريف الأشياء بأضدادها فإن قدر الشيء من جميع جهاته يعرف إذا ابتلى الإنسان بضدّه . فمثلا قدر الصّحة ولذتها بتمام اللذة وكمالها يكون بعد ما ابتلي الإنسان بالمرض ، فالصّحة التي حصلت بعد مرضه ألذّ بمراتب من التي تكون غير مسبوقة بالمرض ، واستشمام الرائحة الطيبة وإن كان لذيذا لكنه بعد استشمام الرائحة الكريهة ألذّ ، وكذلك باب رؤية الأشياء الحسنة لرؤية حسن جميل بعد رؤية شخص كريه المنظر ألذ منها قبل ابتلاء الإنسان بمشاهدة هذا الكريه ، وكذلك استماع أمور يتلذّذ ويسرّ الإنسان بها تكون ألذ إذا استمع أوّلا ضدّها ! فإذا ذكر أحوال أهل الجحيم وأهوال الجحيم نفسها وكيفيات عذاب المعذّبين ثم بعد ذلك ذكر الجنة ونعيمها وتنعّم أهلها بها كان ذلك أوقع في النفس وأشوق للإنسان إلى الجنة ، وهذا أمر وجداني لا برهاني ، ولذا يحتمل أن يكون وجه تأخير الوعد من الوعيد هذا واللّه تعالى أعلم .

[ سورة الزمر ( 39 ) : الآيات 73 إلى 75 ]

وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ زُمَراً حَتَّى إِذا جاؤُها وَفُتِحَتْ أَبْوابُها وَقالَ لَهُمْ خَزَنَتُها سَلامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوها خالِدِينَ ( 73 ) وَقالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي صَدَقَنا وَعْدَهُ وَأَوْرَثَنَا الْأَرْضَ نَتَبَوَّأُ مِنَ الْجَنَّةِ حَيْثُ نَشاءُ فَنِعْمَ أَجْرُ الْعامِلِينَ ( 74 ) وَتَرَى الْمَلائِكَةَ حَافِّينَ مِنْ حَوْلِ الْعَرْشِ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ وَقِيلَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ ( 75 )